خطبة الجمعة 14 ربيع الأخر  1427هـ -   12 مايو   2006م

2

   بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
                       ثم و بعد
 
 
  
أيها المسلمون

     لا خير في المنبر إن لم يكن يهتم بقضايا المسلمين والعامة.
ولا خير فيه إن لم يكن يصدع بكلمة الحق، لأنه إن لم يفعل ذلك كان معطَّلا عن مهمته التي كان عليها زمن الأإنبياء والسابقين الصالحين من هذه الأمة ممن يؤتسى به.

أيها المسلمون

وقد طالعتنا الصحف هذا الأسبوع بين هذه الجمعة والتي سبقتها بأمر كشف للعوام البسطاء الكثير مما كنا نقوله فلا يصدقونه.
ففي الوقت الذي لا يجد فيه فقراء أهل الجزيرة العربية لقمة العيش والمسكن الذي يقيهم الحر والقر، وما يحفظ كرامتهم من الوظيفة وما يقي الشباب من الجنوح والانحراف منها.
هاهي الصحف المتخصصة تطلعنا أن الملك عبد الله بن عبد العزيز هو أغنى العرب.
فتخيلوا يا رحمكم الله لو أن عمرا أو أبا بكر الصديق رضي الله عنهما قد استغنيا من بيت مال المسلمين.
أبو بكر الذي كان يتعهد بيوت المقعدين فيكنس لهم البيت ويحلب لهم المنائح.
وعمر الذي كان يلبس الرقاع ويخاف أن يسأله الله عن بغلة تعثر .
من أين أتى الملك عبد الله بكل هذا المال؟
من عرق جبينه؟
ألم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابي الذي ولاه فقال هذا لكم وهذا لي؟
هل إذا كان عبد الله الملك جالسا في بيت أمه وأبيه يأتيه كل هذا؟
واحد وعشرون مليار دولار.!!!
يا للعجب!
من أين جاءته هذه الأموال إن لم تكن من حرام؟

أيها المسلمون

يقول الله تعالى: " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون "
لذلك لا بد من أن يكون المقياس هو الدين.
وقد قال الباري سبحانه:
{‏ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن اللّه كان بكم رحيما .‏ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على اللّه يسيرا }‏ النساء ‏29 ، ‏30 ، وبقوله تعالى {‏ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون }‏ البقرة ‏188 .
جاء في بعض التفاسير
كما أشارت بإضافة الأموال إلى الجميع فى قولها: «أموالكم» إلى أن الاعتداء الواقع على مال البعض هو اعتداء واقع على مال الجميع، و ذلك نظراً لما قرره الإسلام من المسئولية التضامنية بين الأمة، القاضية بأن المال جميعه - مع تقرر الملكية الشخصية فيه - أداه لمصلحة الناس كلهم: يساهم به أصحابه فى سد حاجة المحتاجين، و تأسيس المشروعات العامة النافعة، ان لم يكن بحكم التبرع المالى الذى ندبت إليه الشريعة، و ضاعفت الأجر و المثوبة عليه - فبحكم الزكاة التى أو جبها الدين، و جعلها ركناً من أركانه، و بحكم الضرائب العادلة التى يضعها أولو الأمر حسب تقدير المصالح التى تحتاج إليها البلاد من مشروعات الخير العام فى نواحى الحياة.
أكل الأموال بالباطل يغرس الحقد و يفضى إلى التقاتل:
و لما كان أكل الأموال بالباطل من شأنه أن يغرس الحقد فى القلوب، و التباغض فى النفوس، و كثيراً ما يؤدى ذلك إلى الاغتيال و التقاتل، فيفسد النظام و تنتشر الفوضى، و تضطرب بالناس جوانب الحياة - نهت الأية بعد ذلك عن قتل النفوس «و لا تقتلوا أنفسكم» و لاريب أن المال - باعتباره مقوما من مقومات الحياة - شقيق النفس و الروح، و أن من سلب مال إنسان فقد سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة، و صيرّه فى حكم المقتول إن لم يؤد ذلك إلى التقاتل بالفعل، و هو ما يحدث كثيرا و تشهد به سجلات المحاكم، و تقارير المسئولين عن الأمن فى كل زمان و مكان، و حسب هؤلاء الذين يستحلون أكل أموال الناس بالباطل قوله تعالى بعده هذه الآية «و من يفعل ذلك عدوانا و ظلما فسوف نصليه نارا و كان ذلك على الله يسيرا».
و قد جرت سنة الله فى أمثال هؤلاء أنهم لا يكادون ينتفعون بهذه الأموال المحرمة، فان انتفعوا بها كان انتفاعهم غالبا مشوبا بالكوارث و الفواجع، أو فى الوجوه الفاسدة التى لا تعود عليهم إلا بالشر و الضرر، و ان استمر لهم أن ينتفعوا بها مدة حياتهم فلا يستمر انتفاع أبنائهم الذين جمعوا لهم هذه الأموال. و من هذا الجانب نرى أن النار التى تؤعدوا بها ليست خاصة ينار العذاب الأخروى فحسب، و إنما هى أيضاً نار يصطلونها فى حياتهم، و يصطليها أبناؤهم بعد مماتهم، هى نار الفقر أو الذلة أو الاعوجاج أو الأمراض أو الاحتقار بين الناس، أو سوء السمعة، و شواهد ذلك فى الحاضر و الماضى كثيرة، و ما من بيئة إلا و فيها أمثالها، فليعتبر بها أولو الألباب.

أيها المسلمون

هناك أحاديث مروعة ترسم عاقبة آكل أموال الناس بالباطل، منها:
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: من اقتطع حق امرئ مسلم فقد أوجب الله عليه النار وحرم عليه الجنة.
وحديث النبي – صلى الله عليه وسلم : "كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به".
هناك ثلاثة أشياء، سيعاقب عليها آكل الحرام يوم القيامة.
"من أخذ حقاً لأخيه المسلم ليس له، لقي الله والله عنه معرض".
ينظر إليك يوم القيامة، وهذا عقاب أقوى من عذاب النار، والنار في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا أوقد عليها ألف عام حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت ثم ألف عام حتى اسودت.. فهي سوداء مظلمة أوقدت ثلاثة آلاف عام ليلقى فيها آكل الحرام.
أما العقاب الثالث فهو الفضيحة يأتي حاملاً المال الحرام على عنقه يقول النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منك من هذا المال الحرام شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه، بقرة لها خوار، وشاة تصيح ثم رفع النبي يديه إلى السماء حتى ظهر بياض إبطيه وقال: ألا هل بلغت اللهم فاشهد اللهم فاشهد".
فتخيل رجلاً يأتي يوم القيامة حاملاً على عنقه سيارة أو أموالاً مسروقة من أحد البنوك أو شقة من مال حرام أو قطعة أرض حرام.

أيها المسلم الكريم

أضف إلى ذلك العقاب أو غيره خصومة النبي صلى الله عليه وسلم "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: "منهم" رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يؤده حقه".
أضف إلى ذلك أن آكل المال الحرام لا يقبل الله له عملاً".
حديث النبي صلى الله عليه وسلم إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً".
والله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم"، وقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً".
ومعنى هذا أن الحج بمال حرام أو العمرة بمال حرام لا يقبله الله، وكذلك صوم رمضان، والصدقة لا تقبل من مال حرام، وحتى الشهادة في سبيل الله.
في غزوة خيبر مر الصحابة على الشهداء يعدونهم، قالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد ثم توقفوا عند شخص وقالوا: وفلان شهيد، فقال النبي "لا.. أراه في النار في عباءة غلها من الغنائم. أراه الآن في النار يكتوي في كسائه". أي أنه سرق عباءة من الغنائم وارتداها فدخل النار بها. المال الحرام يذهب بالبركة، ويجعل الناس يكرهون آكله، ويضيع المال في الدنيا وتمحق بركته، ويضيع فيخسر الإنسان كل شيء.
وجاء في كتب الحديث:
حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه قال معقل إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أن لي حياة ما حدثتك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة.

أيها المسلمون
إن هذا الثراء الفاحش يعد خروجا عن طريقة الإسلام في توزيع النعم والأرزاق.
وفي مقابل هذا الثراء الفاحش يظهر الفقر الشديد ويحدث الصراع في الأمة.
يقول الشيخ محمد عبده: "إن الفقر الحقيقي الذي تعانيه البلاد ليس بسبب قلة الموارد والإمكانات المادية حسبما يردد البعض، وإنما فقر البلاد يتمثل في قلة الراشدين فيها، وغناها الحقيقي يتمثل في كثرة المهتدين؛ إذ مهما كانت الموارد فإنها بدون عقل رشيد وفكر سليم لا قيمة لها. فماذا تصنع الوسائل المهيأة إذ لم تجد من يستعملها فيما هي وسيلة له؟ وأي شيء تفيده الفرص إذ لم تصادف من ينتهزها؟ وهل يقطع السيف الصقيل بلا بطل"، وفي موضوع آخر يقول: "حقيقة مشكلة الفقر ليست في قلة الموارد، وإنما في العقول والأفكار بقلة الحيلة وفقدان الهمة".
وهو بذلك إنما يعبر عن الفكر الاقتصادي الإسلامي في قوله تعالى:
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم 34، وقوله: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) سورة لقمان 20.
فالمشكلة الاقتصادية وهي مشكلة الفقر أو الندرة ليس مردها قلة الموارد الطبيعية كما تزعم المذاهب والنظم الاقتصادية الوضعية، وإنما هي في نظر الاقتصاد الإسلامي حسبما كشف عنه الشيخ محمد عبده مردها العقول والأفهام "بقلة الحيلة وفقدان الهمة" أي مردها الإنسان نفسه بظلمه وكفرانه كما عبرت الآية رقم "34" من سورة إبراهيم بأنه "ظلوم" بسوء توزيع الثروة "وكفار" بعدم استغلاله ما هيأ له الله تعالى من نعم لا تحصى وموارد طبيعية لا تنفد حتى قيام الساعة.
ويضيف الشيخ محمد عبده أن المال في الإسلام أصلا مال الله تعالى فهو رزقه وأنعم به على عبده، وأن الفقير المحروم عبد الله مثل غيره، وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل إلى الرزق، وليس حق الحائز لهذا المال بأقوى من حق المحتاج إلى هذا المال فيه، فمركزهما القانوني واحد من حيث مشروعية الانتفاع بهذا لمال سواء وعلى قدم المساواة، وأن الحائز الذي يمنع المحتاج حاجته -سواء أكان هذا المحتاج فردا أو مصلحة عامة- هو بمثابة السارق والمغتصب لمال الآخرين.
2- وفي تفسيره لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) سورة النساء 29، يقول الشيخ محمد عبده: "إن الله سبحانه أضاف الأموال إلى الجميع، فلم يقل: يأكل بعضكم من مال بعض للتنبيه على ما قررناه مرارا من تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها، كأنه يقول: إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم، فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه؛ لأن المرء يدان كما يدين.. وفي هذه الإضافة مسألة أخرى وهي أن صاحب المال حائز له يجب عليه بذله للمحتاج، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب فإنه لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه".
وهذا يذكرني بقوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين) سورة يس 47، وهو ما عبر عنه الإمام الشافعي في عبارة فقهية دقيقة مشهورة عنه: "إن للفقراء أحقية استحقاق في مال الأغنياء حتى يجعله الله بمثابة المال المشترك بين الغني والفقير"، وقول الفقيه أحمد بن الدلجي: "إن من حق المحروم أن يرى النعم التي بأيدي الناس مغصوبة، والمالك المستحق يطالب باسترداد ماله من أيدي الغاصبين".
ومن قبله يصرح الإمام ابن حزم أن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره "فإن قتل -أي الجائع- فعلى قاتله القصاص وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية"، ومن قبل يصرخ الصحابي أبو ذر: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه".
3- ويخلص الشيخ محمد عبده إلى أن الإسلام قرآنا وسنة وإجماعا ينحاز إلى صف الفقراء والمحتاجين والمستضعفين ويذكر قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) سورة آل عمران 92، والحديث النبوي: "لن تؤمنوا حتى تراحموا" قالوا: "يا رسول الله، كلنا رحيم! قال: "إنه ليس برحمة أحدكم لصاحبه، ولكنها رحمة العامة".
أيها المسلمون
فليكن الإسلام منطلقكم إلى معرفة الحق والباطل.
وليكن الإسلام نوركم لمعرفة باطل هذه الأسرة التي يجب التحذير منها، لأنها فسادها أصبح واضحا بينا.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com