|
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
ثم و بعد
أيها المسلمون
كان مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا وُسِّد الأمر إلى غيره أهله فانتظر الساعة".
لله سبحانه وتعالى في كونه نواميس لا يصطدم بها شخص أو شعب أو أمة إلا اندحر سعيها واندثر ذكرها أو كانت عبرة للمعتبر.
نواميس الله في الكون نافذة لا تستثني إلا بمعجزة، فالنار مثلا في العادة محرقة، غير أنها قد لا تحرق إبراهيم عليه السلام لمعجزة وأمر أراده الله تعالى، لكن غير ذلك لا، بدليل أن المؤمنين في قصة الأخدود كانوا قد أحرقوا بالنار، وأن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم قد عذبهم المشركون بالنار ليفتنوهم عن دينهم ويردّوهم عن كلمة التوحيد.
وهكذا باقي النواميس الكونية المنضبطة بأمر الله تعالى وإرادته سبحانه.
ومن النظام في الكون والاستجابة لنواميسه أن يكون الأمر عند أهله، فلا يجوز أن يكون أمر الحدادة في يد النجار أو أمر التعليم في يد الجندي أو أمر الفقه والفتيا في يد الصباغ، وهلم جرا.
لذلك كان نقض المنطق في هذه الأمور مصادمة للنواميس والضوابط ولمراد الدين والعقل.
وأن يكون حكم الأماكن المقدسة في يد من لا خلاق له في الفقه والدين والفهم والمعرفة والتقى، فذلك من الخرق الفادح للنظام الكوني والشرعي والعقلي، بل إن وضع اليد تمليكا على الحرمين والأماكن المقدسة يعد من أكبر الخروق.
الحرمان لله تعالى، وأبونا إبراهيم عليه السلام نفسه وهو من بنى الكعبة لم يؤمر بملكها أو التنكيل بزوارها، بل أُمر فقط بأن يؤذن في الناس بالحج.
ولو كان أحد أحق بأن يملك الكعبة بعد إبراهيم عليه السلام أو يملك الحرمين لكان هو محمد صلى الله عليه وسلم.
لكن الله سبحانه أراد أن يكون الحرمان له سبحانه لا شريك له فيهما : "وأن المساجد لله".
وأن يكون الأمر لله تعالى فذلك الذي ينسجم فعلا مع عقيدة التحرير التي جاء بها الإسلام، تحرير العباد من الأغلال والقيود والتبعية المهينة.
أيها المسلمون
مراد الله تعالى أن تكون علاقة العباد في الحرمين به وحده، وامتنانهم له وحده سبحانه، وخوفهم منه وحده، ورجاؤهم له وحده، وذلك كله من مقتضيات التوحيد.
أما أن يحس الذاهب إلى الحج ومنذ اللحظة الأولى بأن لآل سعود منة عليه أن أعطوه تأشيرة الموافقة بعد العنت والتضييق وأن لهم عليه الفضل بأن سمحوا له بالدخول إلى (مملكتهم) وأن لهم الفضل في طوافه وسعيه وصلاته ونسكه فذلك من الشرك به سبحانه.
أيها المسلمون
وأعظم الذنوب الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
الشرك ينقض كل ما جاء به الأنبياء، وما جاؤوا إلا بتحقيق لا إله إلا الله ومستلزماتها ومتطلباتها ومقتضياتها إذعانا وتسليما وعبادة وفعلا وانتهاءا.
لذلك كله كان تحرير الحرمين تحريرا للمسلم من الشرك وما يشوب حجه وعمرته من ذلك، كما أنه تحرير للمسلم من الخوف والإذعان والامتنان المهين لغير خالقه ومعبوده سبحانه، الذي قال:
"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له".
أيها المسلمون
ما فتئنا نرفع صوتنا في الأمة أنّ تحرير الحرمين واجب، لا لجعلهما في يد طائفة تريد تكريس الشرك فيهما ودعاء الأضرحة، ولا لجعلهما في يد حزب سياسي ولا لغير ذلك، إنما لإقرار توحيد الله فيهما ونفي الشرك فيهما، وذلك الانسجام الحق مع الشريعة الإسلامية.
أيها المسلمون
إن جعْل الحرمين في يد فضلاء الأمة هو الانضباط الفعلي مع النواميس، بتحكيم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في كل ما يكون فيهما من أمور الحج والعمرة ومناقشة أمور الأمة وغير ذلك من كل ما لا يستقيم به أمر الأمة ودينها إلا به.
إنها دعوة للمسلمين أن يكونوا معنا لاسترداد الحرمين وأن لا يكونا إلا لله تعالى.
والله ولي التوفيق وهو القادر على أن يبدل ضعفنا قوة وأن يورث الأرض لعبادة الصالحين يعبدونه فيها ولا يشركون به شيئا.
" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر".
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
|