خطبة الجمعة 24 صفر  1427هـ -   24 مارس   2006م

2

    
  
أيها المسلمون

  يتساءل بعض الطيبين:
لقد أصبحنا نرى عملية الإفساد ونشر المنكرات مما يقوم به آل سعود فعلا، فما هو واجبنا تجاه ذلك؟
وبماذا يأمرنا ربنا؟
وهذا السؤال هنا يدل على استعداد المسلمين للقيام بواجبهم الذي يأمرهم به الله تعالى، وهو واجب شرعي ديني بعيد عن مزايدات السياسة ومكائد أهلها. لقد أمر الله تعالى في كتابه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحظ على ذلك وأوجبه، وجعله ركنا هاما من أركان هذه الشريعة السمحة، وذلك بأن أمر الناس لا يستقيم إلا بالتواصي بالحق والتناهي عما يسيء. وقد قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) .
وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال عدة، نسوق بعضها لبيان المقصود وإظهاره وتوضيح المعنى.
قال الإمام القرطبي في تفسيره ج: 4 ص: 165
(قد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في هذه السورة و من فى قوله منكم للتبعيض ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماء وقيل لبيان الجنس والمعنى لتكونوا كلكم كذلك قلت القول الأول أصح فإنه يدل على أن الأمر بالمعرف والنهى عن المنكر فرض علىالكفاية وقد عينهم).
وفي تفسير الطبري ج: 4 ص: 38
القول في تأويل قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون يعني بذلك جل ثناؤه ولتكن منكم أيها المؤمنون أمة يقول جماعة يدعون الناس إلى الخير يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده ويأمرون بالمعروف يقول يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من ثم الله وينهون عن المنكر يعني وينهون عن الكفر بالله. وجاء أيضا في تفسير الطبري ج: 4 ص: 38
القول في تأويل قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون يعني بذلك جل ثناؤه ولتكن منكم أيها المؤمنون أمة يقول جماعة يدعون الناس إلى الخير يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده ويأمرون بالمعروف يقول يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من ثم الله وينهون عن المنكر يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من ثم الله بجهادهم بالأيدي والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة وقوله وأولئك هم المفلحون يعني المنجحون ثم الله الباقون في جناته ونعيمه وقد دللنا على معنى الإفلاح هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا حدثنا أحمد بن حازم قال ثنا أبو نعيم قال ثنا عيسى بن عمر القارىء عن أبي عون الثقفي أنه سمع صبيحا قال سمعت عثمان يقرأ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم حدثني أحمد بن حازم قال ثنا أبو نعيم قال ثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت ابن الزبير يقرأ فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبل سواء حدثنا يحيى بن أبي طالب قال أخبرنا يزيد قال أخبرنا جويبر عن الضحاك ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قال هم خاصة أصحاب رسول الله وهم خاصة الرواة القول في تأويل قوله تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا.
وفي تفسير ابن كثير ج: 1 ص: 391
يقول تعالى ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأولئك هم المفلحون قال الضحاك هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة يعني المجاهدين والعلماء وقال أبو جعفر الباقر قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ثم قال الخير إتباع القرآن وسنتي رواه ابن مردويه والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم بنو فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
وعند ابن كثير أيضا ج: 2 ص: 370
كقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر الآية وقوله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ويطيعون الله ورسوله أي فيما أمر وترك ما عنه زجر أولئك سيرحمهم الله من اتصف إن الله عزيز أي يعز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين حكيم في قسمته لهؤلاء وتخصيصه المنافقين فإن له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى.
وفي تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 465
الآيات يقول تعالى فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض وقوله إلا قليلا أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا وهم الذين أنجاهم الله ثم حلول غيره وفجأة نقمته ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى ولتكن منهم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون وفي الحديث إن الناس إذا رأوا بنو فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ولهذا قال تعالى فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا.
 وفي تفسير الجلالين ج: 1 ص: 81
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير الإسلام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك الداعون الآمرون الناهون هم المفلحون الفائزون ومن للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية لا يلزم كل الأمة ولا يليق بكل أحد كالجاهل.
فيض القدير ج: 3 ص: 159
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير آل عمران وفيه حث على ندب الدعاء إلى الخير وتحذير من الدعاء إلى ضلالة أو بدعة سواء كان ابتداء ذلك أو سبق به ه عن أنس أين الراضون بالمقدور أي بما قدره الله تعالى لهم في علمه القديم الأزلي يعني هم قليل أين الساعون للمشكور أي المداومون على السعي والجهد في تحصيل كل فعل مشكور في الشرع ممدوح على فعله عجبت لمن يؤمن بدار الخلود وهي الجنة والنار كيف يسعى لدار الغرور أي الدنيا سميت به لأنها تغر وتضر وتمر وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور آل عمران.
وفي المحلى ج: 9 ص: 361
عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن مسعود حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم يحدث من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الأيمان حبة خردل.
وأيضا في المحلى ج: 11 ص: 192
وقال تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير آل عمران الآية فكانت الاستتابة فعل خير ودعاء إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة ودعاه إلى الخير وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر فكان ذلك واجبا وكان فاعله مصلحا وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي لأن يهدي الله بهداك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.
وفي الإحكام لابن حزم ج: 5 ص: 118
ولتكن منكم أمة يدعون إلى لخير ويأمرون بلمعروف وينهون عن لمنكر وأولئك هم لمفلحون وهذا متوجه إلى العلماء بالمعروف وبالمنكر لأنه لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من يميزه فإن كان مع ما ذكرنا قويا على إنفاذ الأمور حسن السياسة حل له القضاء والإمارة وإلا فلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر يا أبا ذر إني أحب إليك ما أحب لنفسي إنك ضعيف فلا تأمرن....

أيها المسلمون

 وقد ظهر من هذا أن أقوال العلماء قد اجتمعت حول ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطر تركه لهيبة سلطان أو طمع في متاع زائل أو لغيره. ولا يخفى اليوم ما يتنافس فيه أمراء آل سعود ورؤوسهم وأعوانهم وبطانتهم في الشر، فلا يكاد أحدهم يفتح على المسلمين ما يفسد أخلاقهم ويشوه عقيدتهم من أوكار الفساد والدس إلا وأتى غيره بأكثر مما أتى.

أيها المسلمون

 ولأن الشريعة مقدمة عند المسلمين على أهواء البشر، فإن الولاء لله يجب أن يكون قبل الولاء للبشر، وهو ما يدعو المسلمين عامة إلى الإنكار على آل سعود ما هم فيه من الطغيان وتجاوز الحدود. ولئن سأل سائل: ولماذا تخصيص حكام آل سعود وغيرهم من حكام بلاد المسلمين قد لا يقل عنهم الكثير منهم عنهم في الفساد، فإن الجواب هو أن آل سعود أوكد من غيرهم لسببين: الأول هو تسلطهم على البقاع المقدسة التي تخص المسلمين جميعا. والثاني هو هذا التميز في البذل العريض ورصد الأموال الضخمة لمشاريع الفساد والإفساد. لذلك يكون شر هؤلاء أكبر من غيرهم.

أيها المسلمون

إنها دعوات مستمرة لمواجهة هؤلاء بكلمة الحق التي تأخذ على أيديهم وتفضح سوء صنيعهم، لعلهم ينزجرون. والسعيد من وقف في وجه سلطان جائر مفسد ونهاه عن منكره.
أيها المسلمون
فقفوا صفا واحدا كما يريدكم الله تعالى أن تكونوا في وجه سيل الفساد الذي يجريه هؤلاء المفسدون من آل سعود نحو بناء الأمة العقائدي والأخلاقي... ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته
 

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com