خطبة الجمعة 1 شوال   1427هـ -   10 نوفمبر  2006م

2

   بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
                                                     ثم و بعد
 
 
  
أيها المسلمون

    إن فساد الضعيف قد لا يمسه إلا هو دون غيره، بينما إذا فسد ولاة الأمور الممسكون بمقاليد أمور الأمة عم بفسادهم الفساد وأصاب كل شبر ومجال، فكيف ونحن نتحدث في هذه الخطبة عن فساد من أخذوا بالقوة أمور المسلمين واستأثروا بأماكنهم المقدسة المرتبطة بنزول القرآن وبداية الوحي والمتصلة بعبادة الحج والعمرة.

أيها المسلمون
إن هذا الأمر حساس ، وإن الاستهانة به مما يوشك أن يأتي على الأمة، ذلك لأن وضع أقدس البقاع وأركان الإسلام في أيدي العباد مما لا تحمد عقباه، لذلك قال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)، فهذه العبادات وأماكنها ومواقيتها لها قداسة، فللحرمين قداستهما ولشهر الصيام قداسته وللمساجد قداستها وهكذا ، لهذا لا يجب أن يتدخل العباد بشهواتهم في الحد مما شرعه الله لهذه المواقيت والعبادات والأماكن.
أيها المسلمون
ومما ابتليت به الأمة فيما ابتليت به ، السكوت عن النطق بكلمة الحق خوفا من الظلمة والمفسدين أوطمعا فيهم، ولم يقف الأمر عند العامة، فقد انخرط العلماء في سلك الصمت وانتضموا في خيطه ، وإلى الله المشتكى.

أيها المسلمون

ما أحمل ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله :

( أشد الأعمال ثلاثة : الجود من قلة ، الورع في الخلوة ، و كلمة الحق عند من يرجى ويُخاف .
إنها كلمة الحق التي تحفظ للحق حقه وتفضح الباطل وتجعل رقعته تنكمش وتجعل نفوذه يتقلص وتجعل جولته تنتهي .
أما إذا سكت الناس وضاع الحق وانتهى على الألسنة، فإن العقوبة تعم ، كما ورد
عن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت : ( يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث) ، والله تعالى يقول : ( اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).

أيها المسلمون
إن فساد آل سعود وإفسادهم لم يعد يخفى على أحد، بينما يلقي بعض الساذجين اللوم على بطانة آل سعود، مبرئين الملك وأمرائه من العائلة المالكة من كل ما يحدث، وكأنه يحدث دون علم هؤلاء ودون أمرهم.
وهكذا يصب اللوم على هذا الوزير وذلك المدير، بينما رأس الفساد هو الذي يدير فساد كل هؤلاء بعلمه وإدارته ولا تكاد تخفى عليه منهم شاردة ولا واردة,
لآل سعود برنامج إفساد، وهم يستعملون البطانة السيئة في تنفيذه، ويوكلون مباحثهم بمتابعة سير الأشغال التخريبية لعقيدة الأمة وأخلاقها وإتلاف مناعتها.

أيها المسلمون
والحاكم إنما يعرف ببطانته، وبطانة آل سعود دليل عليهم، ولخطورة البطانة خيرا وشرا فقد أولاها الإسلام أهمية كبرى وعالجها.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فيما يرويه البخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه. فالمعصوم من عصم الله تعالى. وفي رواية هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من والٍ إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وُقي شرها فقد وُقي، وهو من التي تغلب عليه منهما.

جاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني ( ج: 13، ص: 202 ): البطانة: الدخلاء، جمع دخيل، وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته، ويفضي إليه بسره، ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ( ج: 6، ص: 237 ): " إلا وله بطانتان ": البطانة: الصاحب، وهو الذي يُعرّفه الرجل أسراره ثقة به, شبهه ببطانة الثوب.
وقوله: " وتحضه عليه ": أي ترغبه فيه وتؤكده عليه. وقوله في الرواية الأخرى: " بطانة تأمره بالمعروف ": أي ما عرفه الشرع وحكم بحسنه، " وتنهاه عن المنكر ": أي ما أنكره الشرع ونهى عن فعله.
فهل هذا هو واقع آل سعود ببطانتهم؟
وقوله " لا تألوه خبالا ": أي لا تقصر في إفساد أمره لعمل مصلحتهم, وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿ َلا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ ] آل عمران: 118 [. وقوله: " فالمعصوم من عصم الله "، وفي الرواية الأخرى: " ومن وقي شرها فقد وقي ": والمراد به إثبات الأمور كلها لله تعالى: فهو الذي يعصم من شاء منهم. " فالمعصوم من عصمه الله لا من عصمته نفسه "، إذ لا يوجد من تعصمه نفسه حقيقة إلا إن كان الله عصمه.
وفي الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ولي منكم عملا، فأراد الله به خيرا، جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه.
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن التين قوله، أنه " ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر, وليكن ثقة مأمونا فطنا عاقلا "، لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به إذا كان هو حسن الظن به. فيجب عليه أن يتثبت في مثل ذلك.

أيها المسلمون
وعند بطانة آل سعود تصدق المقولة المحفوظة: " إن الوزير إذا دخل الوزارة فقد نصف عقله، فإذا خرج منها، فقد عقله كله ".

أيها المسلمون
إن فساد البطانة جزء من فساد آل سعود، ويخطئ من يبرئ آل سعود مما تفعله بطانته مما هومعلوم ولا يخفى.
وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله :
(باب مُحَاسَبَةِ الْإِمَامِ عُمَّالَهُ) وفيه:
عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ الْلتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ فَلَمَّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاسَبَهُ قَالَ هَذَا الَّذِي لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَوَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ هِشَامٌ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا فَلَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ.
كما بوب البخاري : باب بِطَانَةِ الْإِمَامِ وَأَهْلِ مَشُورَتِهِ الْبِطَانَةُ الدُّخَلَاءُ.
والدخلاء بضم ثم فتح جمع دخيل‏:‏ وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته ويعمل بمقتضاه، وعطف أهل مشورته على البطانة من عطف الخاص على العام، وقد ذكرت حكم المشورة في ‏"‏ باب متى يستوجب الرجل القضاء ‏"‏ وأخرج أبو داود في المراسيل من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ‏"‏ أن رجلا قال يا رسول الله ما الحزم‏؟‏ قال‏:‏ أن تشاور ذا لب ثم تطيعه ‏"‏ .
وقد أولى الشرع أمر البطانة أهمية كما ذكرنا، ولأن آل سعود لا يهمهم أمر الشرع فإن البطانة عندهم لا يشترط فيها التزامها بالشرع وتحقيق مصالح المسلمين، بل يشترط فيها التزامها بتحقيق مصلحة عرش آل سعود وبقائه ولو بارتكاب المحرمات والتضييق على العباد.
فعن أي دين والتزام بالشرع يتحدث هؤلاء.
فمتى يدرك الساذجون أن بطانة آل سعود جزء من مشروعهم ومن جريمتهم في حق الأمة وشعب الجزيرة؟

                                            والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com