خطبة الجمعة17   رجــــــب  1427هـ -   11 أغسطس   2006م

2

   بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
                                                     ثم و بعد
 
 
  
أيها المسلمون

     إن مسألة تحرير الحرمين مسألة هامة وخطيرة إن من الناحية الشرعية وإن من الناحية الحضارية للأمة.
وليس من الشرع الذي أمرنا بالشورى ولا من منطق الحساب الذي يجعل القوة في الأمة لا في الأسرة ، ولا من منطق العدل الذي يجعل أبناء الأمة سواسية أمام واجباتهم وحقوقهم ، أن يستحوذ نفر من الناس أو أسرة من الأسر على أمر جعله المولى سبحانه في يد مجموع الأمة دون تخصيص ولا تحييز ولا اختصار ولا حصر.
إن المساجد لله، والحرمان الشريفان ليسا قصرين، إنهما مسجدان والله تعالى يقول: ( وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا).
المساجد لله ، لذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتسلط على بيوت الله أناس هم الأدنى في مراتب الأخلاق والالتزام بالشرع.

أيها المسلمون
ويتساءل البعض عن سر ضعف الأمة وهوان المسلمين، وتأتي الإجابات شتى متنوعة، ولا يقول أحد أبدا أن الأمة تنتهي حين لا تنطلق في كل أمورها من المسجد وتعود إلى المسجد.
في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان المسجد هو المرجع إذا حزب شيء أو طرأ طارئ يمس الأمة، مثلما هي الجامعة العربية اليوم...وشتان وأستغفر الله.
يجتمع الناس في المسجد ويتدارسون ويقررون.
كان المسجد هو البرلمان ومجلس الشورى والنقاش.
منه تعقد ألوية الحرب وفيه تتخذ قرارات الأمة .
المسجد هو القلب الذي تحيا به الأمة، والمسجد الحرام هو القلب الجامع للأمة، لأنه ليس مسجد حي أو مسجد قرية ، إنه المسجد الوحيد الذي يمكن أن يجمع الأمة، المسجد الأول والأقدم والرمز والجامع، الذي إليه تشد الرحال.
وكان المطلوب أن لا يحدث للمسلمين في أي مكان أمر إلا ويأخذ المسجد الحرام دوره، فيعقد فيه مؤتمر جامع للمسلمين، ثم تتخذ القرارات.
وفقد المسجد أهميته ودوره وتم القضاء على مهمته، وتم تجميده من طرف آل سعود، وتحول إلى مسجد مثل أي مسجد حي صغير، يصلي فيه الناس الجمعة والجماعة ويستمعون إلى إمام يدعو بدوام ملك آل سعود ولا شيء وراء ذلك.
وبانتهاء دور المسجد انتهى دور الحج الذي يفترض أن يكون مؤتمرا سنويا للمسلمين يتدارسون فيه قضاياهم ومشاكلهم ونوازلهم الكبرى الخطيرة.
ووقعت من جراء هذه المصادرة للحرمين أبشع الجرائم في حق الإسلام والمسلمين،وبدا أن الأمر كان مؤامرة.
لقد قضي على سر توحد المسلمين، وأغلق باب البرلمان والمؤتمر الذي يجمعهم، وكان ذلك جزء بسيطا مما كسبت يد آل سعود، وجزء من جرائمهم وما اقترفوه في حق الأمة.

أيها المسلمون
أرأيتم لماذا نصر على إعادة الحرمين إلى الأمة؟
إننا لسنا مع إعادة الحرمين إلى من يتلهف إلى جعلهما مزارا شركيا طائفيا لنشر الخزعبلات والظلام، إننا ننادي بجعل أمر الحرمين في يد الشرع قبل يد البشر من هذه الأمة.
لا بد أن يستعيد الحرم مكانته في تحرير الأمة.
وما دام الحرم لم يتحرر هو ذاته من سيطرة آل سعود، فإن الأمة لن تتحرر من الظلم والاستعمار والهيمنة المضروبة عليها.
التحرير مراحل.
أولا لا بد من تحرير معتقد الناس ونظرتهم إلى واقع الحرمين.
تنتج عن ذلك هبّة للأمة لتحرير الحرمين.
ثم بذلك تتحرر الأمة بمجموعها من الواقع المرير المسلط عليه من طرف أعدائها في هذا العالم من يهود وصليبيين وغيرهم.

أيها المسلمون
إن التحرير من التوحيد، والذي يوحد الله لا بد أن يجعل له الأمر وحده سبحانه دون البشر، فأمر الحرمين لله، والأمور التي يجب طرحها في الحرمين يجب أن تكون وفق ما جاء به شرع الله لا وفق ما يريده آل سعود.
للقضايا أبناؤها والمؤمنون بها.
لكل قضية تحرر في العالم مؤمنون يدفعونها إلى الأمام لتحقق أهدافها.
لذلك لا بد أن يكون لقضية تحرير الحرمين دعاتها ومتبنوها.
أيها المسلمون
ما ضاع حق وراءه مطالب، ومن أدام الطرق فتح له، والشباب المسلم عليه أن يدرك أن تحرير الأمة يمر عبر تحرير الحرم كمنا بينا وأوضحنا، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن القعود عن هذا الواجب والتملص منه جناية كبرى في حق الإسلام والمسلمين والمستضعفين.

أيها المسلمون
حينما يقوم انقلاب أو غزو لدولة ما، فإن أول ما يفكر فيه المنقلبون أو الغزاة هو وضع اليد على البرلمان والإذاعة.
والحرم هو برلمان الأمة، وهو إذاعتها التي تبث الوعي في أوساطها.
فماذا بقي للأمة بعد أن فقدت مؤتمرها الجامع في الحرم، وفقدت منبر الحرم الذي يفترض أن ينشر الوعي لا الدعاء لآل سعود والطلبقة لهم.
لقد كان أول ما بنى النبي صلى الله عليه وسلم من العمران بعد الوصول إلى المدينة المسجد الذي هو مثابة ومرجع وبرلمان وموئل ومتجمع .
وإذا أرادت الأمة أن تنهض فعليها أن تعيد المسجد إلى دوره الذي كان عليه، كما أراده النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون
بأي حق تجرد الأمة من منبرها ومؤتمرها لصالح أسرة من الأسر المعروفة بالفساد والفسق والغدر؟
هذا سؤال نوجهه للذين عندهم شك في أهمية تحرير الحرمين أو في مشروعية هذا التحرير.
أليس حراما وخروجا عن المنطق أن تتم مصادرة الحرم بكل معناه في الأمة ليوضع في يد أسرة ومجموعة من الأمراء الذين لا همّ لهم إلا نشر الفساد والرذيلة وموالاة الأعداء؟
هل يمكن أن يقوم الحرم بمهمته في مواجهة الأعداء وهو في أيدي الأعداء عن طريق آل سعود.
خطبة الحرم اليوم أيها المسلمون لا يمكن أن تغضب البيت الأبيض.
لا يمكن لخطبة الحرم أن تخرج عن القوالب العامة التي أملاها اليهود والصليبيون على آل سعود وهم بدورهم أملوها على أئمة الحرم.

أيها المسلمون
الذي كان يواجه الاستعمار وفلول الغزاة دائما هو المسجد، لأن الله لا يرضى الظلم، ولأن القرآن يأمر بالدفاع عن الأرض والعرض، ويجعل ذلك أسمى الواجبات حين يتعّين، ولا يقبل صلاة ولا صياما من القاعدين عن المواجهة لطرد الغزاة.
أما المسجد الحرام يا أسفاه فقدْ فَقَدَ واجبه ودوره وقاموا بتجميده في إطار صفقة ومؤامرة وأمرٍ دُبر بليل.
من الناحية الشرعية:
استعمال المساجد هو الذي تقع على طرفيه ثنائية الخير والشر، من يستعمل المساجد في ما جاء به الشرع ووجهت إليه الشريعة هو الراشد، أما الذي يستعملها في غير ذلك ويجمّد دورها فهو القاسط، وفي هذا الجو جاءت آيات جعْلِ المسجد لله لا للبشر.
قال تعالى في سورة الجن:
((وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ﴿14﴾ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ﴿15﴾ وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴿16﴾ لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ﴿17﴾ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ﴿18﴾ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ﴿19﴾ قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ﴿20﴾ قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ﴿21﴾ قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ﴿22﴾ إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا)).
لقد جعل الله لشد الرحال إلى الحرم منافع.
قال الله عَزَّ و جَلَّ : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }.
وقال سبحانه: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين).
و هذه الآيات صريحة في اشتمال الحج على منافع للناس ، و لا بد أن هذه المنافع و الفوائد تُشكِّل جزءً من فلسفة الحج و أهدافه المنشودة.
ومن هذه المنافع في عصرنا الاجتماع لمواجهة ما يحيق بالإسلام والمسلمين من المكر السيء الذي يدبره الأعداء.
لقد تم تغيير معنى الحج، فلم يعد الأعداء يهتمون لأمر اجتماع مليوني حاج في صعيد واحد، لأنهم يدركون أن هؤلاء لن يفعلوا أكثر من الطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات ثم الرجوع إلى بلدانهم دون أن يهتموا بأمر ما تتعرض له الأمة.
وكان من المفترض أن يحسب العالم كله لاجتماع مليوني شخص في صعيد واحد ألف حساب لو أن هذا الصعيد الواحد قد كان فعلا مؤتمرا لصدور أخطر القرارات.
مجلس الأمن اليوم أهم في القرارات من الحج، والعجب أن ترى المسلمين يحجون وينصرفون في وقت تعيش فيه منطقة أو بلد أو شعب مسلم ليلا حالكا من الظلم المسلط عليه من طرف اليهود أو الصليبيين.
يجتمع المسلمون دون أن يناقشوا أمر محنة هذا الشعب المسلم، وينسون قول النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس من المسلمين من لم يهتم بأمرهم.
ملايين من المسلمين تحت الاستعمار والظلم تستباح دماؤهم وأعراضهم.
ملايين من المسلمين يقتلهم الفقر والجوع.
ولكن لا أحد يسمح بالنقاش حولها في الحرم لأن العدو لا يسمح، ولأن الحرم يجب أن يكون كما يريده الأعداء لا كما يريده الله سبحانه وتعالى.


                                            والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com