خطبة الجمعة10   رجــــــب  1427هـ -   4 أغسطس   2006م

2

   بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
                                                     ثم و بعد
 
 
  
أيها المسلمون

    في أيام المحنة هذه، ومع ازدياد انهمار الدم المظلوم المسفوك بغير حق، دم المسلمين في كل مكان من هذه الأرض المبتلاة .
في أيامنا هذه التي تزداد فيها سطوة الباغي اليهودي أو النصراني على الآمنين المستضعفين من النساء والولدان والشيوخ.
في هذه الفترة العصيبة التي بلغت فيها قلوب أطفالنا الحناجر، ورُوّعت فيها نساؤنا.
في هذا الواقع المر الذي ضجت فيه الأرض إلى ربها شاكية هوان المسلمين على أعدائهم، وهوان دمائهم التي تروي بقايا البيوت المهدمة والركام الحزين تحت الدخان.
في هذه المحنة تزداد صفاقة آل سعود، وكأنهم ليسوا من هذه الأمة . وكأن الذين يموتون يوميا ظلما وقهرا لا يمتون إليهم بصلة.
قنوات آل سعود ببرامجها التي ترقص على الأشلاء دليل على انتمائهم.
ويستحيل مهما بلغ المرء من الدناءة وفقدان الحس أن يرقص على أشلاء الموتى من الصغار والنساء.
على جميع قنواتهم الفضائية من روتانا بكل أرقامها إلى الأم بي سي بكل أرقامها إلى غيرها، كلها تجاهر بعدم احترام معاناة المسلمين في كل مكان يذبحون فيه كالخراف.
لم تتوقف هذه القنوات عن الغناء والرقص والبرامج الشبابية المرحة الصاخبة التي تنتهك الفضيلة.
الأستوديوهات لم تتوقف عن إرسال ضحكات تلك العجوز المتصابية الشمطاء التي تحاور الفنانين في روتانا حول الجنس والجرأة على الشريعة.

أيها المسلمون
الناس في حال وآل سعود في حال.
تبلّد فيهم ومنهم الإحساس فهم كالبهائم يتمتعون ويأكلون ويشربون ويمرحون ويشيعون الفاحشة ويدورون حول نزواتهم في الوقت الذي تعيش الأمة أحلك أيامها.
ما أجرأهم على الله.
ثم ما أجرأهم على جراح الأمة النازفة دما مظلوما.
وبعد هذا يحدثوننا عن الرحمة وعن الشريعة وعن الإسلام.
إسلام بلا رحمة؟
صدق سبحانه القائل: (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلاْبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ)[الحج:46].
الناس بحاجة اليوم إلى قلب رحيم لمسلم يستوعب قلبه الجراح بكل نبضها وآلامها.
الناس بحاجة إلى رحمة تستوعب الضيق والمشقة ولوعات الأمهات الثكالى.
الناس بحاجة إلى قلب رحيم يبلسم جراح اليتامى ويمسح دموعهم.
الناس الذين فقدوا الحضن الدافئ والأمن والطمأنينة.
الذين فقدوا السقف الذي يحميهم وتاهوا في الأرض مشردين.
الذين هم تحت الخيام في حرارة الصيف القاتلة التي ينعم فيها آل سعود بالمكيفات والمسابح .
الناس الذين تقرحهم أعينهم من البكاء وأفئدتهم من الكمد والحزن وأرجلهم من التشرد من دونما وجهة.
الحاملون أكياس الزاد وما خف من المتاع.
الذين لا يجدون لقمة أو شربة ماء باردة.
الهاربون من الموت والفواجع.
هؤلاء كلهم يبحثون عن المؤازرة والرحمة لا عن برامج قنوات آل سعود.
وتصوّر أيها المسلم أن يكون لك جار يعزف المزامير ويضرب الدفوف ويقيم حفلات الرقص والطرب في يوم فقدانك لعزيز عندك.
تخيّل صورة نشاز يجتمع فيها بيت مأتم وإلى جواره حفل صاخب.
وبعد هذا يتحدثون عن الإسلام وخدمة الحرمين وتمثيل الأمة.
والله إن هؤلاء لا علاقة لهم بالأمة إلا ما يدّعونه.
وإلا ..فما علاقتهم بأمة يغنّون ويرقصون على أشلائها الممزقة وبيوتها المهدمة تحت القصف؟!

أيها المسلمون
إن تبلُّد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة بهيمية أو أحطّ، الإنسانُ بغير قلب رحيم أشبه بالآلة الصماء، وهو بغير روح ودود أشبه بالحجر الصلب.
إن الإنسان لا يتميّز في إنسانيته إلا بقلبه وروحه، لا في أكوام لحمه وعظامه. بالروح والقلب يعش ويشعر، وينفعل ويتأثر، ويرحم ويتألم.
الرحمة -أيها الإخوة في الله- كمال في الطبيعة البشرية، تجعل المرء يرقّ لآلام الخلق.
وفي الحديث الصحيح: ((جعل الله الرحمة مائة جزء، أنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)).
الرحمة صفة إلهية، والله سبحانه وهو العظيم يرحم خلقه.
فمن القرآن الكريم : (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ([غافر:7].
ومن القرآن: (وَقُل رَّبّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرحِمِينَ)[المؤمنون:118].
ومن القرآن: (فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ)[يوسف:64].
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم رسول الله بسبي، فإذا امرأةٌ من السبي تسعى قد تحلَّب ثديها، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته بيطنها فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ((أتُرون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟)) قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، قال: ((فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها)) أخرجه البخاري.
كما أن الله تعالى قد بعث النبي محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة، ليس للمسلمين فقط ، بل للعالمين جميعا، بل حتى للحيوان.
محمد صلى الله عليه وسلم يرحم حتى النخل والشجر من القطع.
ويرحم الحيوان من العطش.
ويقول: (في كل ذات كبد رطبة أجر)، لذلك قال عنه ربه سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَـاك إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـالمين)[الأنبياء:107].
وقال له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)[آل عمران:159]، (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ)[التوبة:128].
والرحمة لا تنفك عن الإيمان، فلا إيمان بلا رحمة..لا إيمان بلا رحمة ..لا إيمان بلا رحمة..
وليسمع آل سعود ما جاء في الحديث الشريف في هذا:
عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: ((لن تؤمنوا حتى تراحموا))، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: ((إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة)) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
رحمة العامة من الناس الذين ربما تنأى ديارهم وتبعد أراضيهم لكن المسلم الرحيم يحزن لمآسيهم ويسكب دموعهم مع دموعهم رحمة بهم.
ألم يقل الله تعالى أن المؤمنين إخوة؟
ألم يقل أن المؤمنين كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟
إن أي عضو لا يحس بمأساة بقية أعضاء الجسد هو عضو في انتسابه وانتمائه إلى الجسد نظر.
عضو الخشب الاصطناعي لا يحس بألم الجسد، والعضو المنفك لا يحس.
وليس لرقص آل سعود على جراح الأمة إلا أنهم عضو كاذب الانتماء إلى أمة الجرح والمظلمة.
ولقد شدد الإسلام في أمر مؤازرة الناس في شدتهم ورحمتهم فيما يتعرضون له من المحن.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) متفق عليه، وفي الحديث الآخر: ((من لا يرحم لا يُرحم))، يقول ابن بطال رحمه الله: "في هذا الحديث الحضّ على استعمال الرحمة للخلق، فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك فيها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والمساعدة في الحمل وترك التعدي بالضر".
وإذن فإن الذي لا يرحم لا يُرحم.
ومن أعظم ما تُستجلب به رحمة الله -عباد الله- الرحمة بعباده، ففي الحديث الصحيح: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) رواه أبو داود والترمذي.
الرحمة في الإسلام تمتد من أقرب قريب إلى أبعد بعيد، ومن البشر إلى الحيوان والنبات.
تمتد من الوالدين اللذين قال عنهما الله تعالى موصيا الإنسان:(وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا ربياني صَغِيرًا [الإسراء:24].
إلى رحمة التابعين والعبيد والأجراء .
فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً خلفي: ((اعلم أبا مسعود))، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا فإذا هو رسول الله وإذا هو يقول: ((اعلم ـ أبا مسعود ـ أن الله أقدر عليك منك من هذا الغلام))، فقلت: يا رسول الله، هو حرّ لوجه الله، فقال: ((أما لو لم تفعل لفحتك النار))، وجاءه عليه الصلاة والسلام رجل يسأله: كم أعفو عن الخادم؟ فقال : ((كل يوم سبعين مرة)) أخرجه أبو داود.
ولئن ذهبنا نسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن واقعنا هذا، ونقول: يا رسول الله أطفالنا يموتون تحت القصف في كل حين وأناس يزعمون الإسلام يغنّون ويرقصون ويلهون دون وازع من دين أو احترام لمأساة أو إحساس بالرحمة على هؤلاء المبتلين.
ويأتي الجواب في الحديث الشريف: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا)) أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
فأين آل سعود بفسادهم هذا من الإسلام الذي يرحم حتى الشاة المذبوحة، وفي الحديث:
((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)).
أين الرفق بالمسلمين؟
بل أين الرفق بالثكالى والأرامل والأيتام والفقراء الذين لا يملكون بدلا عن الخروج من ديارهم المقصوفة؟
جاء رجل إلى النبي يشكو قسوة قلبه فقال له: ((أتحبّ أن يلين قلبك؟! أرحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلنْ قلبك)).

أيها المسلمون
ولا ينزع الله الرحمة إلا من قلب شقي أعاذنا الله .
فإذا فقد الإنسان الرحمة صار أدنى منزلة من البهائم، وفي قلوب البهائم رحمة، كما في الحديث الشريف: وفي الحديث الصحيح: ((جعل الله الرحمة مائة جزء، أنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)). أيها المسلمون إن الذي لا يحس بآلام الناس لا يمكن أن يكون مرتضى على أمورهم أو مؤتمنا على قضاياهم وأحوالهم.
فكيف بالله يؤتمن على أرض الحرمين وأماكن الأمة المقدسة من ليس في قلبه للمسلمين رحمة؟
كل يوم تسقط بقايا أوراق التوت عن آل سعود فتنكشف حقيقتهم أكثر.
ومع كل كر للجديدين يفقدون احترام البشر وتزداد المطالبة بأن يرفعوا أيديهم عن الحرمين، إذ لا يليق أن يكون الحرمان تحت وصاية وخدمة عائلة لا تملك إلا المكر والدس والفساد والأحقاد على الأمة.

                                            والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com