خطبة الجمعة 24 جمادي الاول  1426هـ - 1 يوليو 2005م
الخطبة البديلة لخطبة الحرم في ظل استعمال آل سعود لمنبره استعمالا شخصيا للدعاية لهم و حصره في قضاياهم و مصالحهم ...

2

     بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
ثم و بعد
أيها المسلمون
مما ابتليت به الأمة في هذا الزمان ، تقصير العلماء في القيام بأمر الحق ، و الصدع به و نصرته .
و مما داخل قلوب الكثير ممن يتلبسون بلبوس أهل العلم في هذا الزمان ، الجبن و الطمع ، و الرغبة في غير الله ، و الرهبة من غير الله أيها المسلمون .
و كثيرا ما تحدث علماء السلاطين عن حرمة عبادة القبور ، و ذلك حق ، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه و سلم : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد غير أن هؤلاء ما استقووا على التحدث عن القبور إلا لضعفها عن ضرهم ، لا لأن عبادتاها باطلة ، و إلا فما الفرق بين عبادة القبور و عبادة القصور .
أيها المسلمون
و قد وقع الكثير من المتسمين بالعلماء في حمأة عبادة القصور ، فهم يحرمون لأجلها و يحلون لأجلها ، و لا تصدر عنهم صادرة إلا لوجهها فإن كان الملك أو الأمير يريد فتوى صفراء جاؤوه بها ، و إن كان يريد أخرى .
حمراء وضعوها في يده ، و هكذا ، دون خوف من الله تعالى ، و لا استحضار ليوم الحساب .
أيها المسلمون
و ما كان علماؤنا يوما هكذا ، أولئك العظماء الذين أوذوا في سبيل الله فما وهنوا و لا استكانوا .
أولئك الذين رفضوا بيع الآخرة و نعيمها برضى السلاطين و الملوك و الأمراء .
و يرى المسلم أينما ولى وجهه هذا النفاق الذي عم و طم ، و ملأ الأسماع و الأبصار ، من مشايخ متلونين تجار ، كان الأحرى بهم بدل بيع الفتاوى ، أن يتقوا الله .
إنهم لا يبيعون الفتوى فقط .
و لا ماء وجوههم فقط .
و لا الحق فقط .
بل يبيعون دماء المسلمين و حقوقهم و مظالمهم للملوك و الأمراء و الفراعنة الظالمين .
إن هم يبيعون القرآن و شريعة الله بعرض من الدنيا زائل .
إن العلم حياة ، و عزة و ترفع عن الزائل من الترغيب و الترهيب ، و قد قال :
الشاعر
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور أيها المسلمون
و صرف العبادة لغير الله شرك ، سواء كان هذا الذي تصرف له العبادة قبرا أو قصرا ، فلا فرق .
و قد قال الله تعالى في النهي عن اتخاذ الأرباب الزائفين :
{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا 64 بأنا مسلمون} آل عمران.
و قال سبحانه:
}ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر 80بعد إذ أنتم مسلمون} آل عمران.
و قال :
{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما 31 أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} التوبة.
فما الفرق بين من يتخذ راهبا ربا و من يتخذ ملكا أو أميرا ؟ أيها المسلمون و قد أمر الله العلماء بالصدع بكلمة الحق ، تبعا للأنبياء، و أمر المسلمين بأن لا يخشوا إلا الله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون، ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون و قال : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم فإذا كمل الدين ، و تمت النعمة ، كان واجبا على العلماء بيان هذا الدين كاملا ، و تبليغه كما جاء ، دون تحوير أو لي لأعناق النصوص ، أو تحكم بها .
و لقد كان ما يجيء به جبريل لمحمد صلى الله عليه و سلم يغضب الكافرين ، لكن الله كان يأمر نبيه بتبليغ ذلك ، حتى و لو كان يثير حنق و غضب المشركين و الكفار .
( فاصدع بما تؤمر .) و قد شرف الله أهل العلم الحقيقيين ، و رفعهم ، لأنهم الأمناء على الدين ، و المبلغون له ، و القائمون به ، لذلك قال تعالى آمرا نبيه : (
و قل رب زدني علما) قال العلماء :
فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن(
العلماء ورثة الأنبياء.)
وقال: العلماء( أمناء الله على خلقه) .
وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير. وخرج أبو محمد عبدالغني الحافظ من حديث بركة بن نشيط وهو عنكل بن حكارك وتفسيره بركة- بن نشيط - وكان حافظا، حدثنا عمر بن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدثنا عنكل حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
العلماء( ورثة الأنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة) وفي هذا الباب حديث عن أبي الدرداء خرجه أبو داود .
قوله صلى الله عليه وسلم: من
( سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار).
رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص، و أخرجه ابن ماجة غير أن العالم إذا ترك كل هذا الفضل ، و استخدم العلم في تحقيق مآربه الدنيئة ، و صار يبيع التشريع و الفتوى بالعرض الزائل ، و يتمسح به على أبواب الملوك و الأمراء ، وقع عليه ما وقع على ذلك المذكور في القرآن ، و هو الذي قال عنه ربنا تعالى :

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ مَن يَهْدِ اللّهُ . فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ الأعراف

  قال زهير :
لمن الديار غشيتها بالغرقد كالوحي في حجر المسيل المخلد يعني المقيم؛ فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على وجه الأرض.
واتبع هواه أي ما زين له الشيطان. وقيل: كان هواه مع الكفار وقيل: اتبع رضا زوجته، وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى .
فمثله كمثل الكلب ابتداء وخبر. إن تحمل عليه يلهث شرط وجوابه. وهو في موضع الحال، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا. والمعنى: أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية؛ كمثل الكلب الذي هذه حالته.
فالمعنى: أنه لاهث على كل حال، طردته أو لم تطرده. قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؛ كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له، وإنما فؤاده منقطع. قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش.
فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضل وإن تركته ضل؛ فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث؛ كقوله تعالى: وإن تدعوهم .
الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون قال الجوهري: لهث الكلب بالفتح يلهث لهثا ولهاثا بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش؛ وكذلك الرجل إذا أعيا .
وقوله تعالى إن تحمل عليه يلهث لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا، وإذا تركته شد عليك ونبح؛ فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول :
إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد، وإنما لهاثه لموت فؤاده.
وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن.
وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو، فذهب إلى السباع فأشلاهم على آدم، فكان الكلب من أشدهم طلبا.
فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس ال جنة؛ فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا، وألف به وبولده إلى يومنا هذا، لوضع يده على رأسه، وصار حارسا من حراس ولده.
وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل السدي: كان [المائدة: 4].
التعليم؛ وذلك قوله: تعلمونهن مما علمكم الله بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب. وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به.
وقيل: هو في كل منافق. والأول أصح. قال مجاهد في قوله تعالى: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث. وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه.
وقال غيره: هذا شر تمثيل؛ لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا، حمل عليه أو لم يحمل عليه؛ فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان .
وقيل: من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس. ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه. فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه؛ إذ لا يدري بما يختم له. ودلت على منع أخذ لرشوة لإبطال حق أو تغييره .
ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة .
أيها المسلمون
و هذا الذي نراه اليوم من جري العلماء وراء أمزجة الملوك و الأمراء ، و دورانهم لا حيث يدور الدين ، بل حيث تدور آراء الأمراء و مصالحهم ، فتارة تراهم يحرمون قيادة المرأة للسيارة ، و يأتون بحشود الآيات و الأحاديث في ذلك ، فإذا ضغطت دول النصارى على ملكهم و ضغط عليهم هو بدوره ، ذهبوا يبحثون له عن فتوى تجيز قيادة المرأة للسيارة ، و مثلما جاؤوا بأدلة التحريم ، يجيئون بعدها بأدلة الجواز .
ثم تراهم يستخدمون في الترويج لجماعات باسم الجهاد في بلدان شتى ، فإذا ما انقلبت هذه الجماعات على ملكهم ، قاموا فوصفوها بالخوارج الكفرة المارقين من الدين، مستبيحين دماءهم و أموالهم.
و هكذا هو الأمر ، تلون و تغيير و تبديل ، و قد كان النب ي صلى الله عليه و سلم ، يستعيذ من الحور بعد الكور ، و قد بدا اليوم واضحا أن هؤلاء الملوك في جزيرة العرب ما كانوا يستخدمون الدين إلا لمصالحهم ، حتى إذا لم تعد مصالحهم مع الدين بدأوا يغسلون أيديهم منه ، يتبعهم في ذلك ذيولهم و أزلامهم ، من .
الذين يتسمون تدجيلا و كذبا بأهل العلم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
                          
            و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com