خطبة الجمعة 17 جمادي الاول  1426هـ - 24 يونيو 2005م
الخطبة البديلة لخطبة الحرم في ظل استعمال آل سعود لمنبره استعمالا شخصيا للدعاية لهم و حصره في قضاياهم و مصالحهم ...

2

     بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
ثم و بعد
أيها المسلمون
جاء في الموطأ عن عبدا لله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة، يبدؤون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدؤون .
فيه أهواءهم قبل أعمالهم  إنه زمان الفتن كما قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، و في هذه مثل هذه الفتن يكون من الواجب على المسلمين التوحد ، و الوقوف صفا متراصا أمام ما .
 يهدد كيانهم و عقيدتهم و بلادهم  لقد وصل الأمر إلى تدنيس المصاحف و تحطيم المساجد و هتك الأعراض و سفك دماء المسلمين و الاستيلاء على أرضهم ، فهل هناك فتنة كهذه !؟
لقد كان المسلمون الأوائل في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و من بعده ، إذا أصابهم شيء لجأوا إلى الله و توجهوا إلى المسجد ، و اليوم أليس واجبا على المسلمين و هم يعيشون البأس أن يلجأوا إلى مسجد يجمعهم ، ليتدارسوا أمرهم و يتفقوا على قرار صائب ؟
فأي المساجد أحق بأن تجتمع فيه الأمة و ممثلوها غير مسجد أبينا إبراهيم ، أول بيت وضع للناس ؟
إن الظرف يستدعي التقاء حكماء و علماء المسلمين في البيت العتيق للنظر في أمر المسلمين ، و قد كان المسجد عند محمد صلى الله عليه و سلم هو البرلمان . الذي ينعقد كلما طرأ طارئ فهل يستطيع المسلمون اليوم الاجتماع في البيت العتيق ؟
و هل يوافق الذين يستولون على البيت العتيق أن يجتمع المسلمون هناك ؟
قال تعالى :
(( و من أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه و سعى في خرابها ، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين.))
و قال سبحانه في سورة البقرة : {
وإذ(( جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)).
فهل يعرف الذين يستولون على البيت و يمنعون المسلمين من الاجتماع فيه ، ما معنى مثابة ؟
قال المفسرون : البيت يعني الكعبة، و مثابة أي مرجعا، يقال: ثاب يثوب مثابا ومثابة وثؤوبا وثوبانا. فالمثابة مصدر وصف به ويراد به الموضع الذي يثاب : إليه، أي يرجع إليه.
 قال ورقة بن نوفل في الكعبة مثابا لأفناء القبائل كلها تخب إليها اليعملات الذوامل .
 وقرأ الأعمش: مثابات على الجمع فلئن كانت القبائل في الجاهلية تؤم الحرم لتجتمع فيه إذا أصابها ما يستدعي ذلك ، فلماذا لا تكون الكعبة اليوم مثابة إلا للمسلمين في أحلك ظروفهم!؟
لقد أمر الله الأمة الإسلامية بالشورى ، و جعل ذلك أمرا أمرها به : ( و أمرهم . شورى بينهم ) و ( وشاورهم في الأمر)
فهل تكون الشورى في الميزانية و تقسيم الدخل القومي و غير ذلك من معاشات الناس المادية و لا تكون إذا دنست المصاحف و انتهكت الحرمات و تدفقتن على بلاد المساجد جيوش اليهود و النصارى؟
أي قسمة ضيزى هذه؟
قال تعالى في قصة بلقيس :
{قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون، قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين، قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة . وكذلك يفعلون}
 قال: أهل العلم في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله في آل عمران إما استعانة[ 159عمران: ]آل عليه وسلم: وشاورهم في الأمر بالآراء، وإما مداراة للأولياء.
 وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله: وأمرهم والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب؛ فهذه [الشورى: 38].
شورى بينهم بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس: قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما
تريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم؛ ألا ترى إلى قولهم في جوابهم: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد قال ابن عباس: كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه .
 حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته : و جعل الله الشورى من صفات المؤمنين .
 
{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}
قال عبدالرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة؛ استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل الهجرة. وأقاموا الصلاة أي أدوها .
 لمواقيتها بشروطها وهيئاتها. وأمرهم شورى بينهم أي يتشاورون في الأمور والشورى مصدر شاورته؛ مثل البشرى والذكرى ونحوه.
فكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلى إليهم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به؛ قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون؛ فمدحوا باتفاق كلمتهم.
 قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وورد النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له.
وقيل تشاورهم فيما يعرض لهم؛ فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض. وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول : وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا.
وقد قال الحكيم إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي لبيب أومشورة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوة للقوادم فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك.
 وقد كان النبي صلى الله سبحانه يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب؛ وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام.
 فأما الصحابة بعد
استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من
الكتاب والسنة.
وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة؛ فإن النبي صلى الله  عليه وسلم .
لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده.
وتشاوروا بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الحروب؛ حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط ! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي . يرون؛ فإن أصبت فيهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون
والشورى بركة. وقال عليه السلام: (ماندم من استشار ولا خاب من استخار).
وروى سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما( شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي).
 وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور؛ فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غاليا وأنت تأخذه مجانا. وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى. قال البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.
 وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، ومن يخشى الله تعالى.
 وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم
لأفضل ما يحضر بهم. وروي عن علّي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما( من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم)
والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب؛ وبهذا أمر
 الله تعالى نبيه في هذه الآية .
 و قد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا(
كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها.)
قال الشاعر:
وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيبا ولا تعصه غير أن الملوك المتفردون بالرأي دون المسلمين لا يعرفون معنى الشورى ، لذلك فالأمر كله إليهم و إلى حاشيتهم و إن كانت فاسدة ، لذلك قال عبد الله بن : المبارك
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها إن برلمان المسلمين اليوم معطل ، و المثابة التي جعلها الله للمسلمين كلما حزبهم أمر مقفلة ، مفاتيحها في أيدي من لا يهمه أمر الدين و الأمة كما يهمه .
 أمر عرشه ، فإن تحرك عرشه تحرك جازعا ، و بعد ذلك الطوفان .
أيها المسلمون . .
جاء في الأثر : وإذا( رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من
أشراطها)
إن من أشراط الساعة أن يتحول الجهلة الأجلاف المفسدون إلى ملوك ، و أن تقع مفاتيح خزائن الأرض في أيدي اللصوص أصحاب الجشع ، و هذا الحال اليوم ، عائلة فاسدة ، على رأسها مقعد لا يجوز شرعا عقد البيعة و الإمامة له ، تتصرف في خير البقاع ، و تتحكم في مصائر المسلمين ، و لا شيء فيها من التقوى و النخوة .
 و الخوف من الباري سبحانه أسرة معروفة بالفساد و إنفاق المال في وجوه السوء ، و السعي في استرضاء أعداء الله من اليهود و النصارى ، تمسك اليوم مفاتيح الحرمين ، و مفتاح برلمان . المسلمين ، تمنع منه الأمة و يوما بعد آخر ، يزداد على المسلمين الكرب ، و يزيد اعتداء الكفار على المقدسات ، و تزداد الحاجة إلى برلمان الأمة ، و مجلس شوراها ، فمتى يرجع البيت العتيق مثابة كما أراده الله ؟
 إنها لحسرات في القلب ، و يا ويل من عطل أمرا أراده الله نافذا .

                          
            و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com