خطبة الجمعة 9 جمادى الآخرة 1426هـ - 15 يوليو 2005م
الخطبة البديلة لخطبة الحرم في ظل استعمال آل سعود لمنبره استعمالا شخصيا للدعاية لهم و حصره في قضاياهم و مصالحهم ...

2

     بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله عليه و سلم –
ثم و بعد
أيها المسلمون
مما يثير غضب الله سبحانه و يستدعي نقمته ، ظهور الفساد و انتشاره ، و هو أمر نراه اليوم قد زاد من هذه العائلة المفسدة التي تحكم أرض الجزيرة ، ناشرة الظلم و الغي و الشرور .
فمن تمويل مشاريع الإفساد كالقنوات الإباحية المنحلة ، و بؤر القمار و المجون ، إلى إفقار شعب الجزيرة ، و إهمال فقراء المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها ، في الوقت الذي تنفق فيه الأموال على غير وجوه البر في الغرب ، إلى تبذير المال فيما لا طائل من ورائه من التفاخر بالقصور و المنتزهات و الإقامات الصيفية و الشتوية ، و اقتناء الطيور و صقور الصيد ، و التحف مرتفعة الأسعار في المزادات العالمية .
أيها المسلمون و قد كان محمد صلى الله عليه و سلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله، ولم ينزل عليه طعام من السماء، وكان يدخر لأهله قوت سنته،وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع.
وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر ؛ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين.

فأين هذا من هؤلاء المستأثرين بكل ما رق من اللباس و دق من الأكل ؟
أين هذا من الأجسام المنعمة الرافلة في الحرير و العطور و أفخر الثياب .
العابة من أغلى المشروبات ، و الماضغة أغلى الأكلات المستوردة ، التي تطعم أكلة واحدة منها قرية بأكملها .
أين هؤلاء الذين يبقى على موائدهم بعد الأكل ما يكفي لإطعام ألف من الجائعين المتضورين ؟
أيها المسلمون .
و في غزوة العسرة يروي جابر عن الصحابة رضي الله عنهم فيقول : : اجتمع عليهم عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتنة وكان النفر يخرجون ما معهم - إلا التمرات - بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم.
هؤلاء الصحابة فتحوا الدنيا و هم الجياع ، بينما لم يفعل المستأثرون بآبار النفط و غنائم شعب الجزيرة ، و آكلي مداخيل الحج و العمرة ، سوى أن استقدموا الأعداء إلى عقر دار الأمة .

أيها المسلمون .
و كلما فتح المسلم كتاب ربه سبحانه و قرأ آيات المفسدين وجدها تنطبق على هذه العائلة الخبيثة التي لم تر منها الأمة غير البغي و التكبر و إذلال أهل التوحيد ، مع إكرام أهل الباطل، فمن ذلك قوله تعالى :

{
وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين، ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}.
و قال تعالى :
" وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين، ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله "

فهل هناك اليوم من يتمسح بلبوس الدين و يحارب الدين و ينشر الرذيلة أكثر مما تفعله العائلة المالكة في الجزيرة ؟
هل هناك من يقمع أي صوت ناصح مستنكر الفساد الذي عم ، مثلما يفعل أمراء هذه العائلة ؟
هل هناك من يفسد الأرض بعد إصلاحها في عهد النبي صلى الله عليه و سلم ، غير هؤلاء ؟
هل هناك من يبخس الناس أشياءهم ، فيسجن البريء ، و يرفع السفيه ، و يذل الأخيار ، و يستبيح الأعراض و الأموال و الدماء المحرمة ، مثلما يفعل هؤلاء ؟
النبي صلى الله عليه و سلم أصلح الأرض و أخرج منها اليهود و أمر بإخراج المشركين منها ، و هؤلاء لا شيء عندهم غير توطين أعداء الدين و التمكين لقواعدهم العسكرية و مصانعهم و مؤسساتهم في الأرض الطيبة ، باسم ( العمالة الأجنبية) و(المستأمنين)، و(الاستثمار).

لقد أمر الله تعالى بالإصلاح و نهى عن الإفساد ، فقال سبحانه :
"وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين".
ذلك لأن الفساد نهايته البوار ،"إن الله لا يصلح عمل المفسدين".
و قد يدعي أمراء العائلة المفسدة الصلاح ، لكن الإسلام علّم أصحابه أن التعويل على الميزان الموافق للشريعة لا على مجرد الادعاء ، ذلك لأن الله قال في سورة الكهف :
" قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا".
و المنافقون كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعون أنهم مصلحون لا مفسدون ، فجاء البيان في القرآن الكريم :
" ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون".
قال أهل العلم في تفسير هذه الآية :
أي أنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم. والوجه الآخر: أن يكون فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه .
و هذا شأن فرعون و كل الجبابرة الذين يظنون أنهم بامتلاكهم القوة يمتلكون الحق و الصواب .
قال تعالى عن فرعون :
"لقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال، وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد"

لقد كانت النعمة التي يلتف بها أمراء العائلة المالكة مدعاة للشكر و التزام الصلاح ، لا للفساد و الفجور أعاذنا الله ، و قد قال الله تعالى :
"وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.

فالنعمة تقتضي الشكر لا الكفر ، و إنفاق المال في غيره وجه الخير كفر بالنعمة .

لذلك فإن الظلم و الفساد سبب في زوال النعم و لو بعد حين ، و هذا ما سجله لنا التاريخ في سير الملوك المفسدين و حاشيتهم و عائلاتهم ، حين تنقلب عليهم الدوائر و يذوقون ثمرة ما اقترفوه .
"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما" .
و قوله سبحانه : "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين".
قال المفسرون :
"أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط؛ ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. وفي صحيح الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). وقد تقدم.
 وقيل: المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مسلمون، فإنه يكون ذلك ظلما لهم ونقصا من حقهم، أي ما أهلك قوما إلا بعد إعذار وإنذار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح؛ لأنه تصرف في ملكه؛ دليله قوله:
"إن الله لا يظلم الناس شيئا" [يونس: 44].
 وقيل: المعنى وما كان الله ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون؛ أي مخلصون في الإيمان. فالظلم المعاصي على هذا".

أيها المسلمون
و الله تعالى لا يعذب المفسد فقط ، بل يعذب الساكت على فساده .
و هذا ما سيكون موضوعا لخطبتنا الجمعة المقبلة إن أحيانا الله تعالى .

                          
            و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com