|
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و
نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ،
من يهده الله فهو المهتد ، و من يضلل فلا هادي
له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله – صلى الله
عليه و سلم –
ثم و بعد
أيها المسلمون
إن واقع الأمة يحتاج اليوم إلى تأمل ، و إن هذا التأمل يجب أن يكون منضبطا بموازين الحق لا بالهوى ، ذلك لأن كثيرا من الناس إنما يشطون عن الصواب ، و يخرجون عن الجادة ، لأنهم ينظرون إلى الأمور من خلال أهوائهم و مطامعهم ، و إيثار السلامة .
و قد أمر الله نبيه يحي بقوله : ( يا يحي خذ الكتاب بقوة ) .
و الواجب على المسلم أن يلتزم الحق بكل قوته و لا يفرط فيه .
أيها المسلمون
لقد خلق الله الكون ، و اختار الأرض لحياة البشر ، و اختار البقاع المقدسة من الأرض فجعل لها من المكانة ما لم يجعل لغيرها .
و قد دعا إبراهيم عليه السلام للبقاع المقدسة أن تكون آمنة ، قال تعالى : " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير".
إن هذه الآية تتطلب منا تأملات عدة .
فهل مكة آمنة بشرط أن يكون أهلها مؤمنون مقيمون للدين فيهم ؟
أم أنها آمنة حتى إذا تنكب أهلها الخير و انتشر فيهم الفساد ؟
نقول هذا و نحن نرى أمن الجزيرة العربية يختل يوما بعد يوم .
و من المعلوم في ديننا أن القرى إذا بدلت و غيرت ، لها حالتان :
فإما أن يدمرها الله تعالى .
و إما أن يهلك أهلها دون دمار لعمرانها و قائمها .
اليوم يختل الأمن حول مكة ، بل في مكة ، إذ يتعرض عرش العائلة المالكة للضربات .
فهل ذلك من انعدام الأمن ؟
أيها المسلمون .
ليس الأمن أهم من الدين .
و لا يهم أن يكون هناك خروج عن الحق و انتشار للفساد و الظلم و البغي ، مع وجود الأمن .
الأمن الذي يفرض بالعصا ، أو الأمن المشابه لأمن الدول الكافرة ، هذا أمن لا يعتبره الإسلام أمنا .
و إلا فما فائدة أن يعيش الإنسان آمنا و هو كافر يعمه في الدياجي ؟
لذلك لا أمن في الحقيقة إلا مع الدين .
و إذا فقد الدين فلا معنى آنذاك للأمن و السلامة .
و في الجزيرة العربية ، كثر فساد الأسرة المالكة ، و تجاوز بغيها كل سقف و حد ، فالظلم و احتكار المال و الحل و العقد و إهدار الأموال على الفساد و الموالاة للكافرين و التجبر بغير حق .
ذلك فقط جزء من خصال الأسرة المالكة و أمراء البذخ .
أفئذا قام من يطالب بتصويب الأمور و العودة إلى الشرع ، قيل : هذا يريد أن يفسد الأمن و الاستقرار ؟
و قال تعالى في القرآن الكريم :
"إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين".
لقد قرن الله البيت بالهدى و الآيات البينات ، لا بغير ذلك.
فمن أراد البيت بإلحاد بظلم أهلكه الله .
فإذا ما التزم المسلمون بأن جعلوا الأماكن المقدسة في الجزيرة منبرا للحق و منطلقا للخير ، نالوا ما وعدهم الله به ، لكنهم إن غيروا و نكثوا و بدلوا ، فلا عهد لهم عند الله تعالى .
قال سبحانه :
"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم".
فإذا غير الناس النعمة أصابهم عذاب الله أينما كانوا .
و قد أصاب الله أبرهة الحبشي لما أراد الإفساد في الكعبة ، فكذلك هو سبحانه يهلك كل جبار متكبر يريد الإفساد في الحرم .
و هذا يعني أن الله سبحانه مثلما أرسل على أبرهة الطير الأبابيل ، فإنه سيرسل من عنده طيورا أبابيل جديدة في شكل آخر و صورة أخرى لإهلاك المفسدين العائثين فسادا في الحرم اليوم ، من العائلة المالكة هناك .
و لا يعلم جنود ربك إلا هو ، فالقمل و الضفادع و الدم و الطير و الريح و الطوفان و النار كل ذلك من جند ربك سبحانه .
و نحن نرى اليوم ما بدأ يحيق بهذه العائلة التي لم تترك معصية إلا اقترفتها ، و لا تركت جريمة إلا ارتكبتها .
لقد بدأ عرشهم يتزلزل ، فمن يملك لهم نفعا بعد الآن .
تصوروا أيها المسلمون أن أبرهة الحبشي جاء ليفسد في الكعبة و ليدكها و هو يمني نفسه أنه لن يصيبه شيء ، لأن الله جعل الكعبة البيت الحرام مكانا آمنا ؟
هل يعقل هذا ؟
إن الكعبة مكان آمن للمتقين لا للمفسدين .
فلا يعقل أن يقال يدخل جنود اليهود و النصارى إلى الكعبة و يكونوا آمنين لأن إبراهيم عليه السلام دعا أن يكون البلد آمنا .
و لا يعقل أن يكون أعوان و أتباع اليهود و النصارى من العائلة المالكة آمنين .
إن علماء البلاط في عرش العائلة المالكة يوهمون الناس بغير الحق ، بتفسيرات لا مستند لها ، يلبسون بها الحق بالباطل ليضلوا كثيرا من العوام ، و ليجروهم أتباعا لينين مبايعين للمبطلين من الأمراء الفاسدين المفسدين .
أما الصالحون و العالمون فيعرفون أن الله لم يعط الأمان لغير مسلم تقي ، و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك المغني الذي كان يتشبب ببنات المسلمين و قد أهدر دمه :
(( إذا وجدتموه متعلقا بأستار الكعبة فاقتلوه ))
.
لذلك فإن محاربة المفسدين و مواجهة بغيهم غير داخلة في الأمن الذي يختص به الحرم.
قال تعالى :
"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم".
تعليل. أي هذا العقاب، لأنهم غيروا وبدلوا، ونعمة الله على قريش الخصب والسعة، والأمن والعافية. "أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم" [العنكبوت:67] الآية. وقال السدي: نعمة الله عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به، فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب.
فالحرم يقتضي العبادة لا الإفساد ، لذلك جاء في القرآن :
"إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين، وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون".
قوله تعالى: "إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها" يعني مكة التي عظم الله حرمتها؛ أي جعلها حرما آمنا؛ لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، و بين الله أن الحرمة مقترنة بواجب على البشر و هو : "وأمرت أن أكون من المسلمين" أي من المنقادين لأمره، الموحدين له.
أيها المسلمون
و قال تعالى :
"وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون، وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين" .
فبين الله تعالى سبب حفظ القرى و سبب تدميرها ، غير أن الأمر في مكة ليس كذلك ، فهي لا تؤخذ بجريرة و شرور و بغي أهلها فتدمر ، بل إذا فسد أهلها و استوجبوا العذاب أزالهم الله و جاء بغيرهم ممن يصلحون للعيش في خير البقاع ، و هذا معنى التوريث ، الذي بينه الله في آيات أخرى و أوضح أن الأرض له سبحانه يورثها لمن يشاء من عباده ، و العاقبة للمتقين.
و قد قال الله عن مكة :
"وهذا البلد الأمين"
و بين سبحانه أنه أنعم على أهله :
فـ" أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".
لكنه في مقابل ذلك أمرهم بالتزام الجادة : ( فليعبدوا رب هذا البيت) .
فإذا عبدوا غيره من المال و النساء و الدول الكبرى أهلكهم الله .
إن رزق الله لعباده و أمنه لهم قد جاء استجابة لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام الذي قال :
"ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون".
إن نعمة الرزق هنا مرتبطة بإقامة الصلاة ، و كذلك الأمن مرتبط بذلك ، فإذا أقام الناس بدل الصلاة الظلم و الفساد و احتكار الأموال ، فلا عهد لهم عند الله لا برزق و لا بأمن .
و آنذاك يستبدل قوما غيرهم .
و لا نعلم أن أمراء الأسرة الحاكمة قد أقاموا الصلاة ، بل نشهد أنهم أقاموا قنوات الفساد و اللهو ، و نوادي القمار ، و أقاموا أرصدة ضخمة في بنوك الغرب .
لذلك كله ستذهب دولتهم و ريحهم ، و ينقضي عهدهم ، و قد بدأ الزلزال .
و السلام عليكم و رحمة الله و
بركاته
|