|
الانتماء الوطني في الداخل السعودي صورة مختلفة عن معنى المواطنة التي نشأت وترعرعت وانتظمت بعد ظهور الثورة الفرنسية عام 1789م، وأصبحت فيما بعد أحد أهم مقومات الدولة الحديثة.
فالانتماء الوطني في الداخل السعودي: ولاء مطلق لسياسة الحاكم، يتستر بمصطلحات المواطنة والوطنية والانتماء الوطني، دون وعي بالجذور الفكرية لمعنى الانتماء. فالمواطنة هنا صفة يستحقها كل من آمن بالحاكم ولياً، لا يجوز استدراك الخطأ عليه، يستوي في ذلك من يسرق الوطن ومن يموت في سبيله.
وبقدر مطلق الولاء، يقاس انتماء الأفراد لوطنهم والتزامهم بالوطنية، ولا يُكتفى بالحد الأدنى، بل بالمبالغة في اختزال جزء كبير من مفهوم الشريعة في طاعة الحاكم والولاء له.
فالعقد بين الحاكم والمحكوم عقد إذعان بواجهة وطنية يلتزم المحكوم فيها، بالاستسلام المطلق والصمت المطبق.
إن الدعوات المتواصلة للانتماء الوطني، تبتغي تصميم مواطن بارع في الانقياد، سالم من الرجولة، مستسلم بجوارحه، قانت في منبره، أن يطيل الله أعمار الحكام، لينهب الوطن برعاية رسمية!
إن هذا النوع من المواطنة هو محل الإضرار الحقيقي بمصالح الوطن، لأن الحاكم هنا يبادل النفاق بالترحاب، ويمنح حق المواطنة الصالحة لمن يزيد في ألقابه ويُعاظم في صورته.
فلا غرابة أن تحدث الفواجع تتبعها المواجع، دون حساب أو عقاب، لأن مفهوم المواطنة: أن تكتنز من ثروات الوطن بالنهب الدائم بشرط رضا الحاكم، فكبار موظفي الدولة هم أكابر مجرميها، وهم في عرف الحاكم محل الثقة والمواطنة الصالحة، فقد أرضوا الحاكم ودمروا الوطن.
وبذلك يمكن أن تدرك سر صمت الحاكم وسر حركته، فكثرة الجرائم المالية والسلوكية والنظامية والصحية... تمس الوطن، لكنها لا تمس ذاته، فإذا انعكست على المساس بذاته وهددت مصالحه، نطق وسعى بعض السعي، فإذا اطمئن سكن حتى تحين مصيبة جديدة، يستأجر لها بعض المجرمين حوله لامتصاص ما تبقى في الناس من كرامة، ولذا رتب الإسلام علاقة الحاكم بالمحكوم كعلاقة الوكيل بوكيله، ولم يجعلها علاقة إذعان واستسلام، وفهمت الأمم المتقدمة الانتماء الوطني بأنه مصلحة الوطن والمصالحة بين أفراده، بل مهما يقع عندهم من تفرقة عنصرية، فالهيكل العام لدولهم يرجح كفة المصلحة العامة، ويعلي شأنها ويضيق الخناق على تجار الذمة، الذين وللأسف الشديد أصبحوا بصمة في دول المسلمين يتزايدون بشكل مخيف ويتعاظمون مع كل زيادة في سعر النفط.
ونتيجة لما سبق، آمن البعض بالمواطنة، بمعناها المتحرر، لأنها تعظم فيه إنسانيته وتحترم عقله، والإنسان بطبيعته أسير لمن يمنحه التقدير، وفي المقابل: قُدمت لهم شريعة الله تعالى الطاهرة النقية وكأنها تأمره بالتخلي عن عقله...وتسليم أمره للحاكم، بل كأنها لم تنزل إلا لرغبات الحكام، وهي التي روى فيها مسلم في صحيحه (سيكون أمراء تعرفون وتنكرون فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك).
|
|