اتساع حالة الرفض لدعوة الملك عبد الله حول تقريب الأديان

2

عبد القهار البواردي

      قوبلت دعوة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود لإقامة تقارب بين الأديان رفضا حتى في الجزيرة العربية، فقد أقدم بعض رجال الدين والثقافة والإعلام على مواجهة هذه الدعوة المغرضة، حيث وصفوها بأنها خروج عن الشرع الحنيف، وقال بعضهم أنها دعوة مشبوهة موجهة من خارج دائرة الأمة الإسلامية وأن الذي أطلقها وهو الملك عبد الله مجرد أداة تقوم بتطبيق مشروع خبيث.
ولقد كان آخر من أعلن الحرب على هذه الدعوة، الشيخ المحدث ( عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي )، الذي قال:
((محور النقاش فيه؛ مسائل الدين للتقريب بينها، ومحاولة جمع ما يُجمع والسكوت والتغافل عما لا يمكن جمعه ولا الاتفاق عليه، ويوردون تبعاً لذلك عبارات كثيرة من باب التودد والتلطف والتقريب كقولهم: "ديانات سماوية" و"أتباع الكتب السماوية" ونحوها، وهذه دعوة خطيرة مناقضة للإسلام، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يؤلف ويقارب بين الإسلام وغيره من الديانات، لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان، ولا يمكن أن يتمخض عن التقارب أو التعاون بين الأديان حق وخير، إلا ويستلزم من الباطل والضلال ما هو أولى بالصد والرد من تحصيل ذلك الحق، بل إن ذلك الحق متوهمٌ ولا بد، إذ لا يُسمى ما يُعيق تحقيق الإسلام حقاً وخيراً، إلا عند من نظر إليه مجرداً عن مقترن وسابق ولاحق، وهذا يورث الخلط بل الشر المحض ، كمن نظر إلى قتل النفس مجرداً عن كونه في سبيل الله أو في سبيل الشيطان، فيتفق في الحالين أنه شر يجب دفعه والوقاية منه، وكمن نظر إلى لذة الطعام ولم يفرق بين صاحب الحمية وغيره، فيتفق في الحالين أنه لذة، والعاقبة تتباين بقدر المفسدة الطارئة على دين الإنسان ودنياه.
ولا يمكن أن يتحقق تقارب بين الإسلام وبين أي شريعة أخرى إلا بورود ناقض للإسلام، يوجب الكفر منفرداً لمن دعا إليه، ولا يمكن أن يتحقق التقارب عند المنادين به مع تنكب ذلك الناقض، ومن أمثلة ذلك :
1- عدم تسمية غير المسلمين بـ (الكافرين)
2- عدم بيان أنهم مأمورون باتباع الإسلام ولن يقبل منهم عند الله غيره.
3- مساواتهم بالمسلمين بجميع أنواع المساواة، سواء كان ذلك بالدعوى فقط أو بالعمل بها واعتقاد ذلك.
وهذه يلزم منها تعطيل مجموع آيات القرآن، ويكون العامل بما سبق لا يخلو من أمرين لا ثالث لهما:
الأول: إما يحرف النصوص ويتكلف صرفها عن ظواهرها ودلالاتها، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين من يدعو إلى التقارب معهم من اليهود والنصارى، إذ أن الله ذكر من حالهم تحريفهم للكلم عن مواضعه، وهو من ليّ الألسن الوارد في وصفهم والكذب على الله قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }
الثاني: وإما أن يجحدها ويكذب بها، وهذا زندقة وردة، وهو أشد من الأول، وأعظم سوءً.
وكثير من الدعاة المسلمين في بلاد الكتابيين يستثقل أن يصف من يلاقيه منهم بالكفر والنار، في أول دعوته، بل إن كثيراً من المراكز الإسلامية التي تُفتح في بلادهم لا ينص أصحابها على كفر أهل الكتاب علانية وأنهم من أهل النار لو ماتوا على ذلك، بل يظهرون التودد لهم، ويعرفونهم بالإسلام ويدعونهم إليه، لأنهم يرون أن في إعلان ذلك لهم منعاً لدعوتهم وصداً عن دخول الكثير في الإسلام وتعطيل مراكزهم، بل وطردهم، فالأمر المتقرر أن الدعوة إلى الإسلام وبيان حقيقته من غير النطق بإيمان غيرهم، وكونهم آمنين يوم القيامة، تحقيقاً لتلك المقاصد، ثم يبين لهم الحق تاماً بعد دخولهم الإسلام، لا حرج فيه.
أما أن يُعَلِّموا ويدعو الكتابي إلى الإسلام وأنه مع غيره من الشرائع كحال الخيرين المتفاوتين في المقدار، والفاضل والمفضول المشتركين في الفضل، فهذه دعوة لغير الإسلام الذي قال الله عنه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85
وكثير ممن يدعو إلى التقارب بين الأديان قصد التقارب بين أهلها، مع إقراره ببطلان ماهم عليه، ولكن التساهل بإطلاق العبارات من غير معرفة لمعناها ومقتضياتها ولوازمها لا يعذر الإنسان ولا يعفيه من الإنكار عليه وبيان خطورة دعوته، لأن الألفاظ معتبرة في تمييز الحق من الباطل، وبها تُعرف المقاصد، وتُقام الحجج والبينات .
ونقرأ لكثير ممن يتكلم في التقارب والحوار والتعاون، ونلحظ إيراده للمتشابهات من القرآن والسنة، واقتناص العمومات وترك المُحكم البين، وهذه الطريقة في تقرير المسائل طريقة غير المنصفين، وليست هي من العدل والإنصاف التي ينادون بها، ولا يَعد نُقاد الكلام من جميع اللغات ذلك تحريراً بل خلطاً واتباعاً لآراء وتحيزاً لأفكار، ومن ذلك استدلالهم ببعض الآيات التي تصف أهل الكتاب بالإسلام والأمن يوم الحساب، من غير نظر لسبب الحكم، ومناسبته، وسياقه، والمواضع البينة التي تبينه وتفصله، ولو كان ذلك سائغاً فلا بد من وصف القرآن الكريم بالتناقض عند الوقوف على الآيات المحكمة الواضحة وهذا أخطر مما يريدون الوصول إليه، بل لا يوجد متكلم إلا وهو متناقض إذا لم يؤلف كلامه ويفسر بشمول .
يذكر كثيرٌ منهم بعض الآيات كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:62) . وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة:69) .
فيقولون :
إنهم موصوفون بالأمن، وعدم الخوف، وهذا ما يردده كثير ممن يدعو إلى التقارب بين الأديان والحوار بينها، ويرى أنهم سواء كالمسلمين يوم الحساب، وتفسير الآية على هذا المعنى هو من الخطأ المحض، والمقصود من هذه الآية بإجماع المفسرين من سائر المذاهب في سائر القرون في سائر البلدان :
أن من مات وهو على ملته قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وكان على اتباع من غير تحريف، فهو على أمن ولا خوف عليه، وفي هذه الآية دفع لشبهة قد تنقدح في ذهن أتباع الشرائع الماضية كاليهودية والنصرانية، أن الإسلام يكذب بسائر الشرائع قبله وأنها كانت باطلاً واختلاقاً كلها، فدفع ذلك بأن الإسلام جاء مقرراً لها مبيناً وناسخاً لأحكامها الباقية التي لم تحرف، ومن مات وهو عليها من غير تحريف قبل البعثة الإسلامية فهو كمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا عين الحق الذي لا يختلف فيه أحد .
وأمثال هذه الشبهة التي ترد على الأذهان، ترد عند كل من كان باقياً على حكم عاملاً به، إذا ورد ما ينسخه، ويغيُره إلى حكم جديد، يشتبه عليه حال عمله وعمل من مات ولم يبلغه التغيير بعد ورود الحكم الجديد، وهذا له نظائر كثيرة، من ذلك ما روى البخاري من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ}البقرة62 الآية.
قال سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: (( لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان: فأظلمت علي الأرض. وذكر اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلمان فقال: "نزلت هذه الآية في أصحابك". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك")).
وقد تُفسر الآية على أن الرسالة المحمدية عامة وللناس كافة، وليست لفئة دون أخرى، ولا للعرب دون غيرهم، بل مخاطب بها الجميع عرب وعجم، وأهل كتاب وغيرهم، فمن {آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
والصابئة يزعمون أن نبي الله يحي رسولٌ لها، تأثروا بالمشركين فأخذوا يعظمون الكواكب والنجوم، وفيهم قبل الإسلام حنفاء باقون على عقيدتهم بلا تحريف، وكثير من الفقهاء يلحقهم بالكتابيين في الأحكام كالجزية.
وقيل : إنهم لا نبي لهم، بل أصلهم موحدون بالفطرة، ولم يُحدثوا كفراً، بل لديهم إسلام مشترك عبادة الله وحده وتحريم الفواحش وإقامة العدل، وإيرادهم في الآية وهم ليسوا بأهل كتاب سماوي - على قول بعض العلماء - دليل على هذا المعنى أنهم في حال إيمانهم لا يختلفون في المآل عن غيرهم، فأهل الكتاب أصلاً فيهم محرفون للكتب مغيرون لكلام الله، فهم غير داخلين في معنى هذه الآية، إلا إذا اتبعوا من غير تحريف قبل البعثة ومثلهم الصابئة لو اتبعوا الكتاب قبل مجيء الإسلام أو دخلوا في الإسلام بعد مجيئهم فهم كالمسلمين سواء .
والقسم الثاني: التقارب بين أهل الأديان، ويريد بذلك البعض السلام، ونبذ القتال، وهذا بذاته فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صالح وسالم، بحسب حال الأمة في القوة والضعف، وقد ذهب عامة المفسرين إلى أن آيات السلم كلها منسوخة، وذلك بعد تمكن المسلمين وقوتهم، نص على هذا قتادة وغيره، وقال بالعمل بها عند الحاجة جماعة من العلماء .
وإذا كان هذا النوع من التقارب يستلزم شيئاً من مفاسد الأول فلا شك برده مهما كانت حجة قائله وحسن قصده ونيته، كما تقدم بيانه)).


 
 
 

الصفحة الرئيسية | كلمة | تحرير الحرمين | قراءات جرئية | متابعات صحفية | بيت العنكبوت | فقه الحج و العمرة | دراسات | قصائد
copyright © 2005       Email:alumah@hotmail.com