|
في كل عام يتهيأ المسلمون ويشدون الرحال إلى تلك البقعة المُقدسة المباركة بيت الله العتيق، طالبين الرحمة والمغفرة، مُلبين نداء الإسلام الخالد ما دامت السماوات والأرض. لكني هذا العام قلت في نفسي: أين نحن أفي حرب أم في تأدية طاعة؟ ومن المسئول عن هذه الحالة؟ الحجاج الذين لا يملكون الخيام ويفترشون الأرض وأمتعتهم، أم السلطة الحاكمة التي تنفق المال العام بسخاء منقطع النظير على أجهزتها الأمنية لِلبقاء في السلطة وتبخل به عندما يتعلق الأمر بأحوال المسلمين وأرواحهم،أم المسئول عن هذه الجريمة في قتل المسلمين هو قلة وعي الحجاج وجهل بعضهم؟
ولكن علي كل الأحوال فالله المطلع علي جموع الحجيج والموت يختطفهم من كل جانب، لم يتركهم، فجاءت عناية الله بالأمطار تزيل عنهم شيئاً من كربة الزحام والحرارة، ثم اشتد المطر وعلا صوت الرعد وأخذ سنا البرق علي رؤوس الجبال، يخطف الأبصار. فقلت في نفسي، والله إنها لِرسالة من الله إلي جميع الحجاج والمسئولين وصناع القرار وكل مسلم يرى ويسمع مفادها أن الله رحيم بالخلق لا يريد هلاكهم في الزحام في هذا الوقف العظيم ومع اشتداد المطر والبرق والرعد بدا لي أن القيامة سوف تقوم.
بدأ الخوف يجتاح الجميع، فترك الحجاج الرمي وفروا بكل اتجاه لِلاحتماء من المطر، ليتوقف بذلك الموت عن خطف الأجساد المنهكة. وبعد ساعة من المطر الشديد الغزير وأنا أسير وحيداً أساعد من أستطيع من الحجيج الذين بدؤوا يسقطون في الطرقات مِن شدة السيل الجارف الذي عطل المركبات ونشر الفوضى في كل مكان.
ويتفاجأ المرءُ بأن مكة المكرمة أقدس بقعة على وجه الأرض بالنسبة لِلمسلمين لا يوجد فيها الصرف الصحي وأقنية لِتصريف المياه في الشوارع، وبذلك عظمت المشكلة وأصبحت المياه تأخذ كل شيء أمامها، فالأمتعة في الطريق وكذلك متاجر الباعة وداهمت المنازل والبيوت وهي تحمل أطناناً من الرمال والطين والحجارة، وأغلقت الشوارع وقلت لأحد الحجاج تعال لنساعد قدر ما استطعنا في تخفيف المعاناة عن العجايز والشيوخ والأطفال وتحريك المركبات المعطلة في وسط الشوارع وحاولنا، ولكن الوضع يحتاج إلي إمكانية أكبر، فقال لي يا أخي هي مسؤولية الدولة الراعية أولاً وأخيراً، التي تصرف المليارات علي حروب لا فائدة منها وتترك الغير ينهب ثروات الأمة وعدم التحسب لمثل هذا اليوم، حيث مكة المكرمة بدون بنية تحتية أو بناء مدروس بشكل صحيح لراحة حجاج بيت الله، وإنما عمارات ضخمة، وفنادق شاهقة ملاصقة لِلحرم، معظمها للأسرة الحاكمة وأجرة المبيت فيها تمنع أكثر الحجاج من التفكير في دخولها. لقد حججت ثلاث مرات، وكل مرة تحصل كارثة للمسلمين، ففي عام 1994م، حصل الموت والاختناق في النفق، ولكنني لم أشاهده، وسمعت انه قتل أكثر من 700 حاج، وكذلك حججت عام 1996م، وكان حريق منى الذي لا ينسى من ذاكرتي، وكنت مع أمي وأختي ونجونا من الموت بأعجوبة، وكان القتل والحرق بالمئات، شاهدتهم بأم عيني، وكذلك اليوم فأقول وما زلت أؤمن بان هذه الأمة لا بد وسوف تنجب من يرفع شأنها ويعيد سؤددها بين الأمم، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز به أهل طاعتك، ويذل به أهل معصيتك، اللهم أمين، وأخر دعوانا، أن الحمد لله رب العالمين.
|
|