|
حد الإسلام حدودا ، و وضع موازين لا يجب تجاوزها .
و قد التزم الصحابة بتلك الموازين ، في حكمهم و سياستهم ، و هذا محمد صلى الله عليه و سلم يموت فيوضع الأمر شورى في المسلمين ليختاروا خليفته ، لا أن يفرض عليهم شخص لقرابة .
و هذا أبو بكر يموت ، فيخلفه رجل ليس من أسرته .
أما أن تتوارث العائلة الملك و الحكم أبا عن جد فهذا و الله ليس من الإسلام .
لأن الإسلام حرص على تقديم الأكثر أهلية بين المسلمين ، و ليس الأكثر أهلية بين أسرة ما .
ثم أنى لرجل جاهل معروف بخبله و عدم فهمه للأمور و بمستواه الضحل أن يحكم المسلمين ؟
ألأنه غني و أمير ؟
تلك إذن موازين بني إسرائيل الذين قال لهم نبي منهم إن الله بعث لكم طالوت ملكا ، فاستنكروا ملكه لأنه ليس غنيا (ولم يؤت سعة من المال).
فبين لهم ذلك النبي أن الملك مقرون بالعلم .
و هذه الآيات :
"ألم تر إلي الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً تقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال، قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم * وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين"
جاء في تفسيرها: (وكان طالوت سقَّاء، وقيل دباغاً، وقيل مكاريا، لكنه كان عالماً، فلذلك رفعه الله على ما يأتي، وكان من سبط بنيامين ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط الملك ، وكانت النبوة في بني لاوي، والملك في سبط يهوذا، فلذلك أنكروا).3
قال القرطبي: (جروا على سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى، فقالوا: "أنى"، أي من أي جهة.. ونحن من سبط الملوك وهو ليس كذلك، وهو فقير، فتركوا السبب الأقوى وهو قَدَر الله تعالى وقضاؤه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله: "إن الله اصطفاه"، أي اختاره، وهو الحجة القاطعة، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب، وعدته عند اللقاء، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة، لا بالنسب، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس، وأنها متقدمة عليه، لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منتسباً.
إلى أن قال:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو.. وقيل زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عظم الجسم، ألم تر إلى قول الشاعر:
ترى الرجلَ النحيف فتزدريه
وفي أثـوابه أسـدٌ هصـور
ويعجبـك الطـريـر فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطريـر
وقد عظم البعيـر بغيـر لب فلم يستغن بالعظم البعيـر).4
وما قاله بنو إسرائيل قاله مشركو قريش عندما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم: "لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"5، يريدون بالقريتين مكة والطائف، وبالعظيم أي من السراة، الأغنياء، الوجهاء!
و قد قال العلماء أن الإمامة في الدين تنال بالعلم و التقوى ، لذلك قال الرسول صلى الله عليه و سلم :
"من بطَّأ به عملُه لم يسرع به نسبُه"
إن العلم ركن أساسي للحاكم و قد قال تعالى :
(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر/ 9. (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة/ 11. (أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب) الرعد/ 19.
فكيف يحكم المفضول ؟
إن العالم كله يعرف مستوى هذا الملك الجديد ، فهو الذي لا يفهم معاني الكلام ، و قد دلت على ذلك العديد من الحوادث، لذلك يخشى جهله على المسلمين .
و هل هناك نكبة كبر من أن يحكم مثل هذا ، بلا علم و لا فهم ، أقدس أرض في الكون ؟
|