المحور الثانى : الرعاية السعودية للأماكن المقدسة .. رؤية نقدية
يشكل عام 1744م منعطفاً تاريخياً فى الحدود الزمنية والمكانية لشبه الجزيرة العربية بشكل عام ، وما يحيط بها من دول وكيانات سياسية ، ففى ذلك العام حدثت التحالفات بين محمد بن عبد الوهاب الشيخ النجدى ومحمد بن سعود أمير الدرعية حيث تمت عملية الاتحاد والمؤازرة بين الدين والسياسة فى الجزيرة العربية ليستفيد كلاهما بحسب اهتمامه وأهدافه ، فقد كان صاحب الدعوة مهتماً بنشر فكره ، أما حليفه صاحب الدرعية فهّمه يتعدى إلى الحكم وبسط السلطة على أكبر مساحة ممكنة بالمنطق الدينى نفسه والعنوان الأيديولوجى المرفوع آنذاك . وبين التوحيد الدينى – حسب المفهوم الوهابى – والتوحيد السياسى كانت المواجهات العسكرية والدينية تندلع من حين لآخر بهدف بسط الفكر والسلطة على امتداد جزيرة العرب وتعدت الحدود فى كثير من الأوقات حيث وصلت القوات النجدية أو الوهابية إلى العراق والشام ، وكانت كل الغزوات والمعارك فى تلك الفترة تستحضر المبدأ والمنطلق الأيديولوجى فى كل تحركاتها بل تجعله هدفاً معلناً وسبباً فاصلاً للحرب والسلم ، واستمر هذا التلازم بين الهدفين استمر بقوة على مسار الحكم السعودى خلال الفترة التى استمرت حتى عام 1818 ، وهو العام الذى شهد سقوط الدولة السعودية الأولى بنهاية حكم الأمير عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الذى أسر من قبل قوات إبراهيم باشا بن محمد على الذى قاد حملة الدولة العثمانية ضد الحركة الوهابية فى جزيرة العرب ، وانتهى بأسر الأمير عبد الله بإعدامه فى الآستانة .
(1) ملامح الاتجاه السعودى فى الدولة الأولى تجاه الحرمين الشريفين
خلال فترة الدولة السعودية الأولى تجلى الفكر الوهابى بصورة واضحة ، ذلك أن محمد بن عبد الوهاب كان يرى أن زيارة أضرحة الأولياء الصالحين نوع من أنواع الشرك ، وكان يرى أنه من الضرورى هدم هذه الأضرحة بالقوة ، وأعتقد أن الوهابية هم الفرقة الناجية الوحيدة .
تمكن الوهابيون من فرض نفوذهم على نجد ، فكان أول ما فعلوه هو هدم ضريح زيد بن الخطاب فى بلدة الجبيلة ، كان ذلك قبل التحالف مع السعوديين ، ولكن التحالف السعودى – الوهابى قام بالزحف عام 1801م على رأس جيش من أهل نجد وبواديها إلى كربلاء بالعراق فقاتل أهلها واقتحمها ، وقتل من أهلها قرابة الألفين ، وهدم فيه ضريح الإمام الحسين ، وانتزعوا واستولوا على كل ما وصلت إليه أيديهم من كنوز كربلاء ومشهد الحسين الذى كان مزداناً بمقصورة مرصعة بالزمرد والياقوت والجواهر .
وعندما استولى السعوديون على الحجاز قاموا بفظائع ، حيث قاموا بهدم مقبرة المعلى فى مكة المكرمة ، كما هدموا قبر السيدة خديجة ، أما فى المدينة المنورة فقد هدموا الأضرحة المقامة فى البقيع ، وهدموا كل قبور أهل البيت المدفونين فيه ، هدموا قبر الامام زين العابدين السجاد والامام جعفر الصادق وأبيه محمد الباقى ، وامتد الى هدم وتدمير مسجد فاطمة الزهراء ومسجد المنارتين ، ومسجد المائدة وهو المسجد الذى بنى على المكان الذى نزلت فيه سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قاموا بهدم مساجد شهداء أحد ، وتدمير قبور حمزة ومصعب بن عمير وغيرهما من شهداء موقعة أحد ، كما دمروا مسجد الثنايا ، وهو المسجد الذى ضم ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم التى كسرت أثناء موقعة أحد .
رأى الحجاج كيف تحول البقيع ومشاهد المدينة الى أطلال ، وصارت خراباً ، لا لشىء إلا لأن الوهابيين أرادوا ذلك وأرادوا إجبار المسلمين فى اعتناق ما قالوا عنه بأنه الإسلام الحقيقى.
لم يكتف سعود الكبير بما فعل بل أراد هدم قبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخشى من رد فعل مسلمى العالم ورد فعل السلطان العثمانى ، فلم يهدمها ، ولكن امتدت الأيادى الوهابية إلى الحرم النبوى ، فقد أمر سعود خدم الحرم النبوى بأن يخبروه عن خزائن حجرة النبى ، فرفضوا ، فجلدهم بالسياط وحبسهم وعذبهم حتى أخبروه ودلوه عليها ، وفيها تاج كسرى أنوشروان الذى غنمه المسلمون منذ أيام معركة القادسية ، وكذلك سيف هارون الرشيد ، وعقد من الذهب للسيدة زبيدة ، ويذكر الجبرتى فى تاريخه أن سعود الكبير أخذ السجاد الذى فى المسجد النبوى وقناديل الذهب ، ثم ادعى أنه باعها وصرفها على الفقراء ، ولكن ما حدث هو أن أتباع ابن سعود تناهبوا هذه الكنوز ووزعوها على أنفسهم كغنائم حرب .
وقام الوهابيون بإجبار المسلمين لاعتناق مذهبهم ، بل رفضوا دخول الحجاج العراقيين والايرانيين عام 1220 هـ فقد حسبوهم كفار ولا يقربوا الأماكن المقدسة وفى عام 1221 هـ منع الحجاج الشاميين ، وفى عام 1222 هـ منع الحجاج المصريين والمغاربة .
اقتصر الحج على الوهابيين فى الجزيرة العربية ، فقد خشى أصحاب باقى المذاهب من الحج أن يتعرضوا للإيذاء على أيدى هؤلاء الذين يدعون أنهم يتقربون إلى الله بقتل الأبرياء من المسلمين لا لشىء إلا لمخالفتهم فى المذهب رغم أن الجميع مسلمون ، لذلك لم يحج أهل نجران (شيعة اسماعيلية) وأهل الإحساء والقطيف (شيعة إمامية) ، وأهل اليمن (شيعة زيدية) وأهل عسير (من المتصوفة) ، أما أهل الحجاز ومعظمهم شافعية المذهب فقد أخفوا عقيدتهم وامتنعوا عن الحج خشية القتل من الوهابيين الذين كانوا يسألون الناس عن اعتقادهم فى التوحيد ، ومن لا يقل بما جاء فى كتاب التوحيد تعرض للإيذاء وربما للقتل .
ولذلك كانت نهاية الدولة الأولى نهاية مأساوية حيث تم تدمير الدرعية تدميراً تاماً وقتل الأمير فى الآستانة .
ثم قامت الدولة العثمانية بتعمير وتشييد ما هدمه الوهابيون فى مكة والمدينة ، فقاموا ببناء الأضرحة من جديد ، وترميم المساجد التى دمرها الوهابيون .
(2) الدولة السعودية الثانية
يقول المؤرخ جون فيلبى فى كتابه " تاريخ نجد " : " إن الحافز السياسى لا الحماس الدينى هو الذى أوجد الامبراطورية السعودية خلال حكم تركى وفيصل " وهى الفترة التى تسمى الدولة السعودية الثانية والتى بدأت حقيقة على يد الأمير تركى بن عبد الله عام 1820 ، أى بعد سقوط الدولة الأولى بعامين ، وانتهت فى عهد الأمير عبد الله بن فيصل عام 1884 ، وقد خلت هذه الدولة من أى نشاط دينى أو إصلاحى إذا ما استثنينا تنظيم (هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) الدينية الرسمية ، لأن أفراد الأسرة السعودية كانوا مشغولين باستعادة ملك آبائهم فى البداية ، ثم شغلوا بالنزاعات البينية على الحكم فى منتصف الفترة ليصل الحكم إلى يد آل الرشيد معلناً نهاية الفترة السياسية السعودية الثانية .
وفى تلك الفترة لم يكن للمؤسسة الدينية ذلك الدور القيادى الذى مارسته إبان الدولة السعودية الأولى ، ورغم وجود أبناء وأحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة (ومن ضمنهم حفيدة عبد الرحمن الذى عاد من مصر عام 1825) ضمن مؤسسات الحكم وهم يمارسون نشاطهم فى مجالات الدعوة والقضاء ، إلا أن المؤسسة الدينية لم تكن فى وضع يسمح لها بتجاوز حدود النشاط الدينى والمراقبة ، وهذا ما عناه جون فيلبى فى وصفه للدولة السعودية الثانية ، فلم تتجاوز الدولة خلال هذه الدولة حدود نجد ، وانحسر نشاطها السياسى فى الصراع على الأرض النجدية سواء بين أفراد الأسرة أو بينهم جميعاً وبين أسرة آل الرشيد .
وظل الحجاز بعيداً عن سيطرة السعوديين ، وربما كان ذلك من ضمن أسباب الانهيار السريع للدولة الثانية .
عموماً كانت موارد الدولة الثانية السعودية من أنشطة مختلفة من ضمنها الذهب الذى أخذوه من المدينة المنورة أو من كربلاء ، وذلك الذى خلص إليهم بعد النهب الذى قام به أتباعهم .
(3) الدولة السعودية الثالثة
يمكن اعتبار المرحلة الثالثة للصعود السعودى صعود للمؤسسة الدينية باعتبارها ضمن المؤسسات العامة التى تمكنت تسييس السلطة الدينية فى اطار الأهداف الملكية المحافظة .
واجهت الكيان الجديد فى قلب الجزيرة العربية عدة أحداث سياسية وعسكرية منذ قيامها أو صعودها عام 1902 ، إلا أن أخطر ما واجهه الملك عبد العزيز هو النقد والعصيان الصادر من جهات دينية وكانت أبرزها بل أخطرها مع قيادات " الإخوان السعوديين " وهم الذين حاربوا مع عبد العزيز تحت رايات دينية ومعهم بعض الشخصيات الدينية المحلية ، إلا أنه تمكن عام 1929 فى معركة " السبله " الشهيرة من حسم الصراع معهم وقتل أو أسر زعماء الاخوان وأهمهم الشيخ الدويش .
وقد استثمر الملك عبد العزيز نصره على الاخوان وفرض قراراته على المنهزمين التى أعلنها فى وجود عدد من العلماء المقربين منه ومنهم الشيخان العنفرى وابن زاحم ، ومن أبرز تلك القرارات " أنه لا يسمح بعقد اجتماعات لمناقشة الدين أو المسائل الدنيوية بدون موافقة من الملك " ، وقد استمر ذلك القرار منهجاً متوارثاً ومقراً به من القيادات والمؤسسات الدينية السعودية المتعاقبة ، كما أنه شكل أساساً عاماً للعلاقة المقبولة لدى السلطة بالمؤسسة الدينية .
كان الخلاف بين الاخوان والملك عبد العزيز خلافاً بين متطرف والأشد تطرفاً ، كان الاخوان يرون فى تنامى علاقات الملك عبد العزيز السياسية مع الدول الأجنبية خاصة بريطانيا خروجاً على الدين ، كما كانوا يرون فى استيراده للمنجزات العلمية الحديثة نوع من الردة ، فقد اعتقد الاخوان الهاتف والراديو من البدع الحديثة ، وأن عبد العزيز يسلك سلوك الكفار .
ولكن وعلى المستوى النظرة إلى الحجاز ، فقد توحدت نظرة ابن سعود والاخوان فقد اعتبر الجميع ان غيرهم من المسلمين مشركون ولو كان شركاً خفياً ، ولما استطاع عبد العزيز حكم الحجاز حتى اعتبر حكمه استقر بشرعية دينية ، قام بتنفيذ الايديولوجية الغارقة فى السلفية ، فتم هدم أضرحة البقيع ، وقبر السيدة خديجة رضوان الله عليها ، وهدم البيت الذى ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة ، لم يفرق السعوديون حتى بين الأثر التاريخى والأثر الدينى ، فقاموا بمحو كل ما يشير إلى وجود أماكن مقدسة فى مكة والمدينة ، فمثلاً سدوا غار حراء الذى كان يتعبد فيه النبى (ص) قبل البعثة ، ولو تمكنوا من هدمه لهدموه ، ولكن الغار فوق جبل حراء ، ولأنه لا يمكن هدم الجبل ، اكتفوا بسد الغار بصخرة كبيرة ، وهو ما حدث فى غار ثور ، وعند الأبواء حيث قبر السيدة آمنة أم رسول الله (ص) وهى فى الطريق بين مكة والمدينة .
(4) عمارة السعوديين للحرمين الشريفين
استمرار للنهج التراثى فإن السعوديين منذ الملك عبد العزيز قاموا بتوسعة الحرمين الشريفين، ففى عهد عبد العزيز تم توسعة الحرم المكى بعد أن ضاق بالحجاج وزوار البيت العتيق لاسيما وقد انتشرت المنازل حول الحرم الشريف كما جعل الطرق المؤدية إليه عبارة عن أزقة وحوارى ضيقة يجد الذاهب إلى البيت العتيق مشقة وعناءاً فى سلوكها ، كما لم يكن حال المسعى أفضل من ذلك ، ففصلت المبانى بينه وبين الحرم ، واخترقه الطريق فقامت على جانبيه الحوانيت وارتفعت فوقهما المساكن ، وقطع الباعه المتجولون قدسيه المسعى ، واختلط قاصد العبادة بقاصد الدنيا ، فتم إزالة البيوت وتوسعة المسجد ، ودامت التوسعة خلال عصر الملك عبد العزيز فى عصر الملك عبد العزيز فى عصر الملك فيصل ، واستمرت فى عهد الملك فهد .
وحدث مثل ذلك فى المدينة المنورة حيث وسع مسجد رسول الله (ص) شملت المسجد النبوى ومسجد قباء ومسجد القبلتين ،واستمرت التوسعة من أول عهد عبد العزيز وحتى عهد الملك فهد .
كما قامت الأسرة السعودية بتوسعة وتمهيد الطرق بين المشاعر المقدسة فى مكة المكرمة شملت منى والمزدلفة ، كذلك توسعة الطرق بين مكة والمدينة .. وكان للطفرة النفطية أثراً كبيراً فى الانفاق المستمر على الحرمين الشريفين .
|