|
بدأت تتعالى الأصوات من البلدان الإسلامية تنادى بتدويل مكة المكرمة والمدينة المنورة ، والتدويل المعنى هنا ليس تدويل دولى بإشراف الأمم المتحدة ، ولكن التدويل يكون بين البلاد الإسلامية ، وبمعنى أكثر وضوحاً عدم احتكار المملكة العربية السعودية للإشراف على الأراضى المقدسة ، فيكون لكل الدول الإسلامية إشراف إما من خلال هيئة منبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامى أو تداول الإشراف بين الدول الإسلامية ، كل عام تقوم دولة بالإشراف
لقد تعالت الأصوات المنادية بتدويل الأراضى المقدسة بعد حادث جسر الجمرات الذى مات بسببه عشرات الحجاج وجرح المئات ، كذلك بعد أن قامت السلطات السعودية بمنع سبعة آلاف حاج عراقى مبررة ذلك مرة لأن هذا العدد يفوق حصة العراق من حجاج بيت الله الحرام ، ومرة لأن تمثيل الحجاج فى العراق جاء على أساس طائفى أى أن كل هؤلاء الحجاج من الشيعة ، ورغم عدم شكوى سنة العراق ، إلا أن السلطات السعودية منعتهم ، الأمر الذى حدا بإبراهيم الجعفرى رئيس الوزراء العراقى أن ينادى بـالتدويل وكسر هيمنة الإشراف السعودى على الأماكن المقدسة .
وقد كان العقيد معمر القذافى قد نادى بمثل هذا الطلب قبل عشرين عاماً ، ولكن السياسة الدولية والتغييرات فى المنطقة حالت دون تحقيق هذا النداء المهم والذى من الممكن الآن ولو على مراحل .
وفى هذا البحث استعراض تاريخى للحجاز والدول التى أشرفت عليه عبر التاريخ وهو ينقسم إلى ثلاثة محاور :
المحور الأول : رعاية الأماكن المقدسة بين الشرعية السياسية والحكمة الدينية :
(1) منذ أن بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة المشرفة فى مكة المكرمة ، وصارت مكة لها قداسة دينية فى نفوس العرب الذين هوت أفئدتهم لزيارتها ، وصارت القبيلة القرشية تستمد من البيت الحرام القداسة الدينية والشرعية السياسية فى نفس الوقت .
وصارت مكة أعلى البلاد شأناً فى الجزيرة العربية لمكانة البيت العتيق ، وعندما أشرك القرشيون ووضعوا الأصنام حول الكعبة ، أشرك باقى العرب كذلك ، فصارت قريش قائدة فى التوحيد الإبراهيمى ، ثم قائدة فى الشرك كذلك
وفى كلتا الحالتين استمدت قريش نفوذها السياسى والاقتصادى من الكعبة ، أى أن السياسة احتكرت الدين وسخرته لخدمتها ، وقد استمر هذا الوضع حتى ظهور االإسلام ببعثه النبى صلى الله عليه وآله وسلم .
ظل النبى الأعظم ثلاثة عشر عاماً يدعو أهل مكة بدعوة التوحيد ، ولم يستجب للدعوة إلا قليل ، وظل القرشيون يستمدون نفوذهم السياسى من الكعبة ، وكانت خشيتهم على النفوذ السياسى والاقتصادى أكبر الدوافع لامتناعهم عن قبول الدعوة ، فقد ظل أبو جهل على سبيل المثال طوال عمره لا يرى فى رسول الله إلا رجلاً من بنى عبد مناف يريد الاستحواذ بالسلطة والتنافس على السيطرة السياسية على مكة ، لم ير فى الدعوة الإسلامية غير هذا المفهوم القبلى الضيق ، وأبو سفيان بن حرب رغم أنه من بنى عبد مناف إلا أنه رأى فى الدعوة قضاءاً مبرماً على النفوذ السياسى الذى تمثل فى الفرع الأموى من بنى عبد مناف ، وقضاء على النفوذ الاقتصادى الذى كان يتزعمه أبو سفيان بن حرب ، وظل الصراع دائراً بين الفئة الإسلامية القليلة العدد ، والنفوذ القرشى الواسع الامتداد والنفوذ والسيطرة .
وأذن الله للنبى بالهجرة إلى يثرب ومعه كل المسلمين ، وأطلق المسلمون على يثرب اسم المدينة المنورة ، أو مدينة رسول الله التى تنورت وتشرفت به ، وكانت المدينة تشكل أولى المراحل فى مسيرة وكيان الدولة الإسلامية عبر القرون الممتدة ، وأضحت مقدسة لأن الله اختارها لمرقده الشريف ، ومن ثم صار الحجاز الذى يشمل المدينة المنورة ومكة المكرمة هى الأماكن المقدسة لكل المسلمين ، وكل دولة خلافة تستمد شرعيتها من ادارتها ورعايتها للأماكن المقدسة فى الحجاز .
لكن النبى الكريم لم يقم بالحج إلا بعد أن أزال الأصنام أولاً من حول الكعبة عندما قام عليه الصلاة والسلام بفتحها ، ثم بعد أن نزلت سورة براءة أو سورة التوبة والتى أداها وقرأها على بن أبى طالب فى موسم الحج عام 9 هجرية ، حيث أعلن أن حج هذا العام (عام 9 هجرية) هو آخر حج يقوم به المشركون ، ولا يطوف بالبيت عريان ، وأن يلتزم الجميع بمناسك الحج التى أداها إبراهيم عليه السلام .
وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة عام 10 هجرية هى حجة الوداع ، فقد صارت مكة المكرمة تحت السيادة الإسلامية النبوية من الناحية السياسية والدينية على السواء، ولم يختلف الحال طوال العهد الراشدى فقد كانت السلطة الإسلامية فى المدينة تشرف على الكعبة والبلد الحرام وتقود الناس فى الحج فى المشاعر المقدسة ، ولم يحدث أى خلاف طوال الفترة التالية للفترة النبوية حتى فى أثناء اجتدام الفتنة وخروج معاوية بن أبى سفيان على خليفة المسلمين الشرعى على بن أبى طالب ، فقد ظلت المدينة ومكة تحت إشرافه المباشر ، يعين الولاة عليها ليقوموا بخدمة تلك الأماكن وخدمة المسلمين أيضاً
(2) رعاية الأماكن المقدسة فى العصر الأموى :
بعد أن استتب الأمر لمعاوية آلت رعاية الأماكن المقدسة له ، فعين الولاة واعتبر سيطرته على المدينة ومكة تكريس لشرعيته السياسية ، ودام هذا الوضع طوال عصر ابنه يزيد الذى لم يرتدع عن قتل الحسين بن على فى كربلاء ، ثم استباح المدينة المنورة فى واقعة الحرة الشهيرة ، عندما قام أهل المدينة المنورة بالثورة على يزيد بسبب مصرع الحسين ، فما كان من جيشه إلا ان استباح مدينة رسول الله وانتهكت الأعراض وقتل الصحابة وأبناؤهم فى المدينة المقدسة ، واعتبر يزيد هذا نصراً سياسياً ، واعتبر فرض سيطرته السياسية على الحجاز يضمن الشرعية لحكمه .
ولكن الحجاز انتفض بعد يزيد وخاصة خلال عصر عبد الملك بن مروان ، ذلك أن عبد الله بن الزبير تمكن من السيطرة على الحجاز ، ونودى به أميراً للمؤمنين ، واعتبره بعض المؤرخين خليفة شرعياً لأن نفوذه امتد إلى معظم الولايات الإسلامية ماعدا الشام خاصة بعد ان اجتاح العراق وقضى على ثورة المختار بن عبيد الله الثقفى فى الكوفة ، وهى الثورة التى تمكنت من القضاء على كل من شارك فى مذبحة كربلاء ضد الحسين بن على .
اختار ابن الزبير مكة المكرمة مكاناً لخلافته ، واعتصم بالبيت الحرام ، واعتبرت خلافته شرعية لأنه يفرض سيطرته على الحجاز ، ولكن الأمويين استطاعوا استرداد الولايات ، أخذوا مصر والعراق ، واعتبروا شرعيتهم الدينية والسياسية ناقصة طالما أن ابن الزبير يحكم الحجاز ، فقام عبد الملك بن مروان بإرسال جيش كثيف إلى مكة المكرمة بقيادة الوالى الأشهر الحجاج بن يوسف الثقفى فحاصر الكعبة التى لاذ بها ابن الزبير ، ولم يتورع عن ضربها بالمنجنيق حتى تصدعت جدران الكعبة ذاتها ، ثم دخلها وقتل بجوارها ابن الزبير ، ومثّل بجثته ، وبالتالى تم القضاء على خلافة أو ثورة ابن الزبير ، وصار الحجاز يسيطر عليه الأمويون .
ولكن الأمويين رأوا أن أهل الحجاز يوالون العلويين وأنهم يكرهون الأمويين ، وأن ثورات الحجاز لا تنقضى ، ففكر الوليد بن عبد الملك الذى تولى الخلافة بعد أبيه أن يجدد بناء المسجد الأقصى ، وبالفعل قام ببنائه ، وبناء قبة الصخرة والتى كلفت خزانة الدولة إيراد أو خراج مصر لسبع سنوات متتالية ، لم يكن الوليد يريد صرف الناس عن البيت الحرام أو عن مدينة رسول الله ، ولم يكن يرغب بالطبع أن يفقد السيطرة الأموية عليهما ، ولكنه قدّر أن أى خارج عليه فى الحجاز يمكنه السيطرة ولو لمدة محددة ، ولذلك فإن وجود المسجد الأقصى المبارك بعد بنائه وبعد بناء قبة الصخرة يعوض عن فقدان السيطرة على الحجاز المقدس ولو إلى حين .
ولكن الخلافة الأموية انتهت سريعاً فلم تمكث إلا ثلاث وثمانين سنة ، وانهارت بعد بناء المسجد الأقصى بأقل من ثلاثين سنة ، ظلت خلالها تستمد الشرعية الدينية من خلال السلطة السياسية على الحجاز ، وكانت ترى كغيرها من الخلافات التالية عليها أن عدم فرض سيطرتها على الأماكن المقدسة نقص فى سلطتها الدينية والسياسية على السواء ، خاصة وأن خطيب مسجد نمرة يوم الحج كانت تعينه الدولة .
(3) الحجاز فى العصر العباسى
لما سقطت الخلافة الأموية وجاءت الخلافة العباسية كان من أولى اهتماماتها فرض سيطرتها على الحجاز لإضفاء شرعية دينية على حكمها السياسى ، ولذلك فقد أمر أبو جعفر المنصور بزيادة مساحة المسجد الحرام ، وعندما حج المهدى اصطحب معه أموالاً كثيرة واشترى الدور المحيطة بالمسجد وهدمها وزاد فى المسجد من جميع جهاته ، وعوض أصحاب تلك الدور بالأموال .
وخطب المهدى فى نمرة يوم عرفة داعياً المسلمين إلى بيعته لأنه من عمومة رسول الله ، وقال ان رسول الله بشر جده عبد الله بن عباس بالملك أو الخلافة تكون فى نسله ، كما شن حملة شعواء على العلويين ، ولأن الحج يجتمع له الناس من كل بلد إسلامى ، قام الخليفة بالدعاية لنفسه ولبرنامجه السياسى المتلفح بالدين .
ولذلك فعندما اعتنق الخليفة المأمون الفكرة القائلة بخلق القرآن شرحها لهم ، وظل هذا الوضع قائماً طوال عصر (المعتصم) و(الواثق) اللذين حكما بعد المأمون ، وخطب أحمد بن أبى دؤاد الوزير المعتزلى الشهير فى مسجد نمرة يوم عرفة قائلاً إن القرآن يستحيل أن يكون كلام الله ، لأنه لو كان كلامه لكان معناه أن الله قديم ويأتى بصفة من صفات البشر وهى الكلام ، ولذلك فالقرآن مخلوق مثل أى شىء ، واتهم كل من لم يقل بخلق القرآن بالشرك أو العته أو المروق .
الذى يعنينا من ذلك أن الدولة كانت تكرس مفهومها الدينى والسياسى فى موسم الحج الذى يجمع الأشتات من البشر ، ودوماً ما يكون خطيب الحج ممثلاً للدولة ، ولذلك ما أن مات الواثق وتولى المتوكل الخلافة من بعده حتى انقلب على المعتزلة وقبض على شيخهم ابن أبى دؤاد وأخرج الامام أحمد بن حنبل من السجن ، واعتبر بن حنبل هذا انتصاراً لسنة رسول الله0
وبعد أن كانت خطبة الحج تدعو لاعتناق المسلمين للمذهب الاعتزالى صارت تدعو لنقيضها، فكان الخطيب يتهم كل من يقول بخلق القرآن ، إما بالشرك أو النفاق وهو انتصار لما يقوله خليفة المسلمين مهما كان اختلاف المسلمين حول مثل هذه القضايا .
ولكن الدولة العباسية فى العصر الثانى لها صارت دولة ضعيفة يتحكم فيها الوزراء الذين أصبحوا يعينون ويقيلون الخلفاء ، ويفرضوا سيطرتهم الفكرية والدينية حسب المذهب الذى تعتنقه ، وقد أدى ذلك إلى جعل الحجاز تابع مذهبياً إلى الوزير الحاكم فى بغداد ، فحينما استولى البويهيون على بغداد استطاعوا أن يفرضوا نفوذهم على الخليفة العباسى ، فخلعوا المستكفى بالله وولوا الخليفة المطيع ، ولتأكيد نفوذهم السياسى فقد عملوا على حماية المذهب الشيعى الذى ظل مطارداً فكرياً طوال عهد الأمويين والعباسيين ، كما ظل علماء أهل البيت إما مطاردين أو مسجونين أو مقتولين ، وحاول بنى بويه الانتصاف لأهل البيت ، فكانوا يقومون بالدعاية المذهبية ، وتكذيب الاشاعات والأكاذيب التى روجها أعداؤهم من الحكام ضد الشيعة عموماً ، ومن ضمن هذه الدعايات فرض النفوذ الدينى على الأماكن المقدسة فى الحجاز ، فقاموا ببناء الأضرحة على مقابر أهل البيت ، ووصلت دعايتهم إلى مواسم الحج، فكان الخطيب لابد وأن يدعو لهم بعد الدعاء للخليفة العباسى .
ولكن الأمر لم يستقر على حال ، فما أن وصل السلاجقة ، وهم ترك من متشددى أهل السنة حتى قاموا بقتل الشيعة من جديد ، والخليفة العباسى لا يملك القدرة لا على الحكم ولا على المحاسبة ولا على اتخاذ القرار ، وكانت الدولة الفاطمية الناشئة تقوم بفتح الأمصار الإسلامية من المغرب حيث أسس عبيد الله المهدى الخلافة هناك ، فكان الفتح الفاطمى لمصر إيذاناً بتوسع هذه الدولة .
|