|
(وأتموا الحج والعمرة لله) أدوهما بحقوقهما
(فإن أُحصِرتم) منعتم عن إتمامها بعدو (فما
استيسر) تيسر (من الهدي) عليكم وهو شاة (ولا
تحلقوا رؤوسكم) أي لا تتحللوا (حتى يبلغ
الهدي) المذكور (محله) حيث يحل ذبحه وهو مكان
الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل
ويُفَرَّق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل
(فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه)
كقمل وصداع فحلق في الإحرام (ففدية) عليه (من
صيام) الثلاثة أيام (أو صدقة) بثلاثة آصع من
غالب قوت البلد على ستة مساكين (أو نسك) أي
ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر
لأنه أولى بالكفارة ، وكذا من استمتع بغير
الخلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره
(فإذا أمنتم) العدو بأن ذهب أو لم يكن (فمن
تمتع) استمتع (بالعمرة) أي بسبب فراغه منها
بمحظورات الإحرام (إلى الحج) أي إلى الإحرام
به بأن يكون أحرم بها في أشهره (فما استيسر)
تيسر (من الهدي) عليه وهو شاة يذبحها بعد
الإحرام به والأفضل يوم النحر (فمن لم يجد)
الهدي لفقده أو فقد ثمنه (فصيام) أي فعليه
صيام (ثلاثة أيام في الحج) أي في حال الإحرام
به فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة
والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا
يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي
(وسبعة إذا رجعتم) إلى وطنكم مكة أو غيرها
وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن
الغيبة (تلك عشَرَة كاملة) جملة تأكيد لما
قبلها. (ذلك) الحكم المذكور من وجوب الهدي أو
الصيام على من تمتع (لمن لم يكن أهله حاضري
المسجد الحرام) بأن لم يكونوا على دون مرحلتين
من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دمَ عليه
ولا صيام وإن تمتع.
وفي ذكر الأهل إشعار باشتراط الاستيطان ، فلو
أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن أو تمتع فعليه
ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا ،
والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما
ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج
معا أو يدخل الحج عليها قبل الطواف (واتقوا
الله) فيما يأمركم به وينهاكم عنه (واعلموا أن
الله شديد العقاب) لمن خالفه. وقوله تعالى:
{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ذكروا أن
هذه الآية نزلت في سنة ست أي عام الحديبية حين
حال المشركون بين رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم وبين الوصول إلى البيت، وأنزل اللّه في
ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن
يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، وأن
يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند
ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم وأن
يتحللوا فلم يفعلوا انتظاراً للنسخ حتى خرج
فحلق رأسه ففعل الناس وكان منهم من قصَّر رأسه
ولم يحلقه فلذلك قال صلى اللّه عليه وسلم :
"رحم اللّه المحلقين"، قالوا:
والمقصرين يا رسول اللّه، فقال في الثالثة:
"والمقصرين"، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك
كل سبعة في بدنة وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان
منزلهم بالحديبية خارج الحرم وقيل: بل كانوا
على طرف الحرم.
فاللّه أعلم. وقد اختلف العلماء - هل يختص
الحصر بالعدو؟
فلا يتحلل إلا من حصره عدو، لا مرض ولا غيره
- على قولين:
عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو
فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه
شيء إنما قال اللّه تعالى:
{فإذا أمنتم} فليس الأمن حصراً. والقول
الثاني:
أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال
وهو التوهان عن الطريق لحديث: "من كسر أو وجع
أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أُخرى" (رواه أحمد)
وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب وعروة بن
الزبير أنهم قالوا:
الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وثبت في
الصحيحين عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد
المطلب فقالت: يا رسول اللّه إني أريد الحج
وأنا شاكية، فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث
حبستني". وقوله تعالى:
{فما استيسر من الهدى} عن علي بن أبي طالب أنه
كان يقول: {فما استيسر من الهدى} شاة، والهدي
من الأزواج الثمانية من الإبل، والبقر والمعز
والضأن) وهو مذهب الأئمة الأربعة. وروي عن
عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر
من الهدي إلا من الإبل والبقر، وروي مثله عن
سعيد بن جبير.
(قلت) : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا
إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم
أنه ذبح في تحلله ذلك شاة وإنما ذبحوا الإبل
والبقر، ففي الصحيحين عن جابر قال:
أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن
نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة،
وعن ابن عباس في قوله:
{فما استيسر من الهدي} قال: بقدر يسارته،
وقال العوفي عن ابن عباس: إن كان موسراً فمن
الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم،
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه
من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن اللّه أوجب
ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى
هدياً، والهديُ من بهيمة الأنعام وهي (الإبل
والبقر والغنم) كما قاله الحبر البحر ترجمان
القرآن وابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أُم
المؤمنين رضي اللّه عنها قالت:
أهدى النبي صلى اللّه عليه وسلم مرة غنماً.
وقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ
الهدي محله} معطوف على قوله: {وأتموا الحج
والعمرة لله} وليس معطوفاً على قوله: {فإن
أحصرتم فما استيسر من الهدي} كما زعمه ابن
جرير رحمه اللّه، لأن النبي صلى اللّه عليه
وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار
قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم
خارج الحرم، فأما في حالة الأمن والوصول إلى
الحرم فلا يجوز الحلق {حتى يبلغ الهدي محله}
ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان
قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان مفرداً أو
متمتعاً كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها
قالت: يا رسول اللّه ما شأن الناس حلوا من
العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟
فقال: "إني لبدت رأس وقلدت هديي فلا أحل حتى
أنحر" (أخرجه البخاري) وقوله تعالى:
{فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}. روى البخاري
عن عبد اللّه بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن
عجرة في هذا المسجد، يعني مسجد الكوفة، فسالته
عن فدية من صيام فقال:
حُملتُ إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم
والقملُ يتناثر على وجهي فقال: "ما كنتُ أرى
أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟" قلت:
لا، قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة
مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق
رأسك" فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة، وعن كعب
بن عجرة قال: أتى عليّ النبي صلى اللّه عليه
وسلم وأنا أوقد تحت قدر، والقملُ يتناثر على
وجهي أو قال حاجبي فقال:
"يؤذيك هوام رأسك؟" قلتُ: نعم، قال: "فاحلقه
وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك
نسيكة"، قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ (رواه
الإمام أحمد). هامش :
(1) قوله: المحصر، اسم مفعول من الإِحصار، من
أحصره، إذا حبسه وهو الذي حبس عن إتمام الحج
والعمرة بعذر أو مرض أو نحو ذلك.
(2) قوله: مَن أحصر، أي مُنع وحُبس دون البيت،
أي قبل وصوله إليه بمرض ونحوه من غير عدو
كافر. فإنه لا يَحِلُّ، بفتح أوله وكسر ثانيه
وتشديد ثالثه أي لا يخرج من إحرامه حتى يطوف
بالبيت ولو امتدَّت الأيام. فهو يتدَاوى، أي
يعالج. مما اضطُرَّ مجهول، إليه، أي باستعمال
ما احتيج إليه من مَحظورات الإِحرام كاللباس
والطيب وإزالة الشعر وغير ذلك.
ويفتدي، أي يؤدي فديةَ ما استعمله من
المحظورات وكفارته بعد الفراغ من مناسكه.
وحاصله أن الإِحصار المذكور في قوله تعالى:
{وأتِمّوا الحجَّ والعُمرة للّه فإن أُحصرتم
فما استيسر من الهَدي ولا تَحلِقوا رؤوسكم حتى
يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّه} (سورة البقرة:
الآية 196) لا يكون بالمرض. وقد وقع الاختلاف
في الإِحصار على أقوال كما بسطه العيني وغيره
(فيه عشرة أبحاث بسطها شيخنا في أوجز المسالك،
فارجع إليه 8/50 - 72)، الأول: أن الإِحصار
وحكمه الثابت بالآية وهو أن يذبح الهدي، ويخرج
من الإِحرام كان مخصوصاً (انظر سبل السلام
2/217) بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه،
والآية المذكورة نزلت في حصرهم يوم الحديبية
حين صدَّهم المشركون عن البيت فيختص بمورده،
وهذا القول شاذ لا يعتمد عليه، والثاني:
أن حكم الحصر عام لكنه لا يكون إلاَّ بالعدو
الكافر كما كان في العهد النبوي، ويدل عليه
قوله تعالى بعد تلك الآية:
{فإذا أمنتم فمن تَمَتَّع بالعمرة إلى الحج
فما استيسر من الهدي} (سورة البقرة: الآية
196) أي أمنتم من خوف العدو، فلا يكون
الإِحصار بمرض ونحوه، وهذا مذهب ابن عمر كما
دل عليه قوله المذكور ههنا، ومذهب ابن عباس
حيث قال: لا حصر إلاَّ حصر العدو، أخرجه ابن
أبي حاتم وقال:
روى نحوه عن ابن عمر وطاوس، والزهري وزيد بن
أسلم، وبه قال الليث ومالك والشافعي وأحمد
وإسحاق، والثالث: أن حكم الإِحصار عام زماناً
وسبباً فيحصل حكمه بكل حابس من مرض وعدو وكسر
رجل وذهاب نفقة ونحوها مما يمنعه المضي إلى
البيت، وهذا قول ابن مسعود ورواية عن ابن
عباس. وبه قال أصحابنا الحنفية وقالوا:
الإِحصار في اللغة عام غير مخصوص بالعدو،
ونزول تلك الآية في حصر العدو لا يقتضي
اختصاصه به، وكذا لفظ الأمن لا يقتضيه فيمكن
أن يراد به الأمن من عدو ومرض ونحوه، وعلى
تقرير الاختصاص يقال: ورد بحسب تعين الحادثة
والعبرة لعموم اللفظ والعلة لا لخصوص السبب،
ويوافقه حديث من كُسِرَ أو عرج فقد حل وعليه
حجة أخرى، أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وفي رواية
من كسر أوعرج أو مرض، ورواه عبد بن حميد، وقال
روي نحوه عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة
وابن المسيب وعروة ومجاهد والنخعي وعطاء
وغيرهم وهناك قول رابع محكي عن ابن الزبير
وهو:
أن المحصر بالمرض والعدو سواء، لا يحل إلاَّ
بالطواف وهو قول شاذ، وأرجح الأقوال هو القول
الثالث ( انظر عمدة القاري 10/141).
(3) أخرجه عنه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"
من طرق عديدة.
(4) بالفتحتين المرض المؤلم.
(5) أي ابن مسعود.
(6) أحرم بالعمرة.
(7) من النهش وهو لدغ الحية وجرحها.
(8) أي لم يقدر الذهاب إلى مكة لإِتمام
العمرة.
(9) أمر أن يرسل مع بعض أصحابه إلى مكة
هدياً.
(10) قوله: ويواعد، من المواعدة "يوم أمار"
بالفتح أي يوم أمارة وعلامة تدل على وصولهم
إلى مكة وذبحهم الهدي عنه "فإذا نحر" ذبح عنه
الهدي بمكة وجاء ذلك اليوم الموعود "حَلَّ"
خرج من الإِحرام واستعمل محظوراته من الحلق
وغيره "وكانت عليه عمرة مكان عمرته" أي عوض
عمرته السابقة قضاء عنها، فإنها إن كانت واجبة
بالنذر وغيره فظاهر، وإن كانت نفلاً فالنفل
بالشروع يلزم كما هو مذهبنا، ودل هذا على أن
المحصر يبعث بالهدي إلى مكة، ولا يذبحه حيث
أحصر وهو المراد من قوله تعالى:{ حَتَّى
يَبلُغَ الهَدي مَحِلَّه}، وقال الشافعي وغيره
(قال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء
كان من الحل أو الحرم، وقال أبو حنيفة لا
يذبحه إلاَّ في الحرم. عمدة القاري 10/149):
المراد بالمحل مكان الإِحصار، وفي المقام
كلام طويل لا يليق هنا خوف التطويل. |