إعداد مجموعة من الخبراء والباحثين                                   المراجعة اللغوية : محمود عبده



    وبهذه المحاولات يكون الأمير نايف قد أعطى دفعة جديدة لمناصرة الخطاب الديني الوهابي السلفي السعودي وأظهر مساندته الرسمية القوية له. أما تحذير الأمير عبد الله نائب الملك للطلاب بعدم الغلو والتطرف ومطالبتهم بالاعتدال فليس له ولا لمطالبته أهمية تذكر ما دامت المؤسسة الدينية السعودية تحتكر تقييم الثقافة الوطنية كما تحتكر إعداد المناهج الدينية التعليمية ، وما دام يُسمح لها كذلك بالتدخل في حياة الناس الشخصية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية تحت مبرر الحفاظ على النهج الإسلامي الصحيح وحماية المجتمع من الفساد والرذيلة. بكل تأكيد ليس من صالح الوحدة الوطنية ولا سمعة البلاد الخارجية استمرار النهج الديني السعودي المتطرف وهيمنته على مقاليد شؤون المواطنين الثقافية والاجتماعية والدينية والتعليمية.
وليس من الصالح كذلك أن يجد هذا النهج من يسانده في السلطة السياسية السعودية أو يقف معه ليبرئه من كل تشدد أو انتهاك لخصوصيات المواطنين. فبأي مبرر يقتنع الآخرون بصدق نوايا الحكومة السعودية وخطابها الديني لا يزال يتسلط على الثقافة الوطنية و ينمي التطرف العقائدي في مناهج التعليم الديني في المدارس. إن استمرار هذا الخطاب سيزيد من الانقسامات الداخلية ويعرض الوطن للتجزئة والتفتت وتحويله إلى كانتونات مذهبية ومناطقية وحتى قبلية.
 من المعيب أن يتستر المسئولون السعوديون عن انتهاك حقوق المواطنين الدينية والمذهبية والأيديولوجية من خلال غض النظر عن الممارسات الوهابية العنصرية داخل البلاد ، وغض النظر كذلك عمّا يحتويه المنهج المدرسي الديني في مدارسنا من تشدد عقائدي. ألم تنتبه كل طواقم وزارة المعارف وعلى رأسها وزير المعارف لما يسببه التشدد العقائدي الوهابي من تدمير لعقول الطلاب الذين هم عماد المستقبل وعجلة بناء التنمية الوطنية ؟ ألم تتوصل وزارة الداخلية والإعلام والمعارف بكل طواقمها الأمنية والإعلامية والتربوية إلى معرفة أن مناهج التعليم السعودية وبعض النشرات والكتب العقائدية الوهابية المتشددة لازالت تُوزّع وتُباع علنا في المكتبات السعودية برغم مما يثيره ذلك من تمييز طائفي ومذهبي بين المواطنين ؟ أبهذه الطريقة يُبنى الإنسان داخل الوطن ؟ هل بالتمييز الطائفي والمذهبي والأيديولوجي يتماسك الوطن أمام التحديات والأخطار ؟ أهكذا يتقلص التطرف العقائدي وينمو التسامح والتأخي ؟ ألم يحن الوقت لكي تسود الحكمة وتبدأ المسيرة بإزاحة الشوائب المتخلفة من مناهج التعليم ومن المؤسسات الدينية المتطرفة ومن الحياة الثقافية الاجتماعية ؟ ألم يحن الوقت لتكن مناهجنا التعليمية وإعلامنا ممثلاً لكل المذاهب الإسلامية ولكل الآراء دون تمييز ؟ ألم يحن الوقت لرد الاعتبار الرسمي لجميع الذين وطأتهم مطرقة الطائفية والتدخل الوهابي في خصوصياتهم المذهبية والثقافية في الوطن ؟ ألم يحن الوقت للاعتراف الرسمي القانوني والحقوقي بالتعدد المذهبي والثقافي في البلاد ؟ ألم يحن الوقت لكي تتخلص ثقافتنا الوطنية من الوصاية الوهابية قبل فوات الأوان ؟ .
 2 - الهجوم الوهابي
يعتمد الوهابيون على الهجوم على خصومهم حيث لا يتركون لهم فرصة في الدفاع عن أنفسهم ؛ ويختلف الحال إذا كان المخالف لهم يعيش في المملكة أو خارجها . إذا كان يعيش في المملكة وخالف أي فتوى حتى ولو كانت خاطئه فإنه يقبض عليه ويمتحن في عقيدته ؛ وهو في هذه الحالة بين أمرين إما يتراجع عن قوله المخالف ؛ وإما أن يصر فيكون جزاؤه إما السجن أو القتل في بعض الحالات ؛ ويمكن رصد الهجوم الوهابي على مخالفيهم في صورة فتاوى مثل : رد على أبي الأعلى المودودي بسم الله الرحمن الرحيم كان أبو الأعلى المودودي قد بعث إلى برسالة رقمها 1526 وتاريخ 2 / 4 / 1392 هـ شرح فيها حاله وحال الأستاذ طفيل الذي خلف فضيلته في إمرة الجماعة الإسلامية ، وقد أجبته برسالة عندما كنت رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في نفس العام . . ومنها : - قال لي بعض الإخوان المقيمين في البلاد من أهل مليبار عن فضيلتكم إنكم ترون أن العبادة تفسر بالطاعة وأن كل من أطاع أحدا فقد عبده ، كما تفسر بالرق والتأله . وكتب إلى الشيخ عمر بن أحمد المليباري أي صاحب مجلة السلسبيل في هذا الموضوع جازما بما ذكر عن فضيلتكم وعن الجماعة وأرسل إلى نسخة من استفتاء تعميمي في هذه المسألة أرسل إليكم نسخة منه .
 وقد استغربت هذا الأمر وعزمت على الكتابة إليكم فيه من قبل مجيء كتابكم المجاب للاستفسار منكم عن صحة ما نسب إليكم . وبهذه المناسبة فإني أرجو من فضيلتكم الإفادة عما لديكم في هذا الموضوع ، والذي يظهر لأخيكم أن الطاعة أوسع من العبادة ، فكل عبادة لله موافقة لشريعته تسمى طاعة وليس كل طاعة بالنسبة إلى غير الله تسمى عبادة ، بل في ذلك تفصيل؛ أما بالنسبة إلى الله سبحانه فهي عبادة له لمن أراد بها وجهه ، لكن قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة على حسب اشتمالها على الشروط المرعية في العبادة وتخلف بعض الشروط عنها ، فأرجو من فضيلتكم الإفادة المفصلة عما ترونه في هذه المسألة ومما يزيد الأمر وضوحا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفي عنه العبادة . كما قال الله سبحانه في حق المشركين {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}[1] فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم ، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد وبالحج والعمرة وبالصدقات في بعض الأحيان ونحو ذلك ، ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبة بالشرك في الرخاء وعدم الإيمان بالآخرة إلى غير ذلك من أنواع الكفر جاز أن تنفى عن أصحابها .
 ومما يزيد الأمر بيانا أيضا أن من أطاع الأمراء وغيرهم في معاصي الله لا يسمى عابدا لهم إذا لم يعتقد جواز طاعتهم فيما يخالف شرع الله وإنما أطاعهم خوفا من شرهم أو اتباعا للهوى ، وهو يعلم أنه عاص لله في ذلك فإن مثل هذا يعتبر عاصيا بهذه الطاعة ولا يعتبر مشركا إذا كانت الطاعة في غير الأمور الشركية ، كما لو أطاعهم في ضرب أحد بغير حق أو قتل أحد بغير حق أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك ، والأمثلة في هذا الباب كثيرة ، وما أظن هذا الأمر يخفى على من دونكم من أهل العلم ، لكن لما كان هذا الأمر قد أشاعه عنكم من أشاعه وجب علي أن أسألكم عنه وأطلب من فضيلتكم تفصيل القول فيه حتى ننفي عنكم ما يجب نفيه وندافع عنكم على بصيرة ونوضح الحق لطالبه فيما يتعلق بالجماعة الإسلامية . وإن كان ما نسب عنكم هو كما نسب تذاكرنا فيه وبحثناه من جميع وجوهه وناقشنا مواضيع الإشكال بالأدلة ، والحق هو ضالة الجميع . فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يجعل الحق ضالتنا أينما كنا إنه جواد كريم .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أو الهجوم بالمال مثل : بناء المساجد في الدول الإسلامية المختلفة لتبادر بالهجوم على الذين يخالفونهم ؛ مع العلم أنه قبل دفع المال يكون هناك اتفاق مع هذه الدولة أو تلك من أجل عدم المعارضة في التبشير بالوهابية ؛ ونظرا لحاجة الدول إلى المال يتم السماح لهم ؛ وأول ما يبدأون العمل به هو فتنة الناس في دينهم ؛.
 3 - الصراخ الوهابي
يتميز دعاة الوهابية بالصراخ والتشنج والصوت العالي ؛ وذلك ليخفي قلة بضاعته ؛ ولا نكاد نجد خطيبا وهابيا إلا وصوته عال على المنبر ؛ أو في أي نقاش جاد وعلمي ؛ والبسطاء من الناس يصدقون أنهم يمثلون الإسلام طالما أنهم يقولون قال الله وقال الرسول ؛ ولا يدري هؤلاء البسطاء أن الوهابيون لا يملكون علما ولا حجة ولكنهم يرسخون في أذهان العامة الارتباط بين الوهابية ورعاية الأماكن المقدسة يقول الشيخ ابن عثيمين عن الفرقة الناجية ؛ فاختصرها في جماعته الوهابية فقال : أبرز الخصائص للفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملة، هذه الأمور الأربعة تجد الفرقة الناجية بارزة فيها‏:‏ ففي العقيدة تجدها متمسكة بما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من التوحيد الخالص في ألوهية الله، وربوبيته، وأسمائه وصفاته ‏.‏
وفي العبادات تجد الفرقة متميزة في تمسكها التام وتطبيقها لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات في أجناسها، وصفاتها، وأقدارها، وأزمنتها، وأمكنتها، وأسبابها، فلا تجد عندهم ابتداعاً في دين الله، بل هم متأدبون غاية الأدب مع الله ورسوله لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله في إدخال شيء من العبادات لم يأذن به الله ‏.‏ وفي الأخلاق تجدهم كذلك متميزين عن غيرهم بحسن الأخلاق كمحبة الخير للمسلمين، وانشراح الصدر، وطلاقة الوجه، وحسن المنطق والكرم والشجاعة إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها ‏.‏ وفي المعاملات تجدهم يعاملون الناس بالصدق، والبيان اللذين أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏:‏ ‏(‏البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما‏)‏ ‏.‏
 والنقص من هذه الخصائص لا يخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية لكن لكل درجات مما عملوا، والنقص في جانب التوحيد ربما يخرجه عن الفرقة الناجية مثل الإخلال بالإخلاص، وكذلك في البدع ربما يأتي ببدع تخرجه عن كونه من الفرقة الناجية‏.‏ أما في مسألة الأخلاق والمعاملات فلا يخرج الإخلال بهما من هذه الفرقة وإن كان ذلك ينقص مرتبته‏.‏ وقد نحتاج إلى تفصيل في مسألة الأخلاق فإن من أهم ما يكون من الأخلاق اجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق الذي أوصانا به الله تعالى في قوله ‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‏}‏ ‏.
وأخبر أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم بريء منهم فقال الله عز وجل ‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ‏}‏ ‏.‏ فاتفاق الكلمة وائتلاف القلوب من أبرز خصائص الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فهم إذا حصل بينهم خلاف ناشئ عن الاجتهاد في الأمور الاجتهادية لا يحمل بعضهم على بعض حقداً، ولا عداوة، ولا بغضاء بل يعتقدون أنهم إخوة حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، حتى إن الواحد منهم ليصلي خلف من يرى أنه ليس على وضوء ويرى الإمام أنه على وضوء، مثل أن الواحد منهم يصلي خلف شخص أكل لحم إبل، وهذا الإمام يرى أنه لا ينقض الوضوء، والمأموم يرى أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة، وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة، كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كل واحد من المختلفين قد تبع ما يجب عليه اتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما اتباعاً للدليل هو في الحقيقة قد وافقهم، لأنهم هم يدعون إلى اتباع الدليل أينما كان، فإذا خالفهم موافقة لدليل عنده، فهو في الحقيقة قد وافقهم، لأنه تمشى على ما يدعون إليه ويهدون إليه من تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخفى على كثير من أهل العلم ما حصل من الخلاف بين الصحابة في مثل هذه الأمور، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً منهم، فإنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من غزوة الأحزاب وجاءه جبريل وأشار إليه أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال ‏:‏ ‏(‏لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة‏)‏ ‏.‏
 فخرجوا من المدينة إلى بني قريظة وأرهقتهم صلاة العصر فمنهم من أخر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ‏:‏ ‏(‏لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة‏)‏ ‏.‏
ومنهم من صلى الصلاة في وقتها، وقال ‏:‏ إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أراد منا المبادرة إلى الخروج ولم يرد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها وهؤلاء هم المصيبون ولكن مع ذلك لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الطائفتين، ولم يحمل كل واحد على الآخر عداوة، أو بغضاء بسبب اختلافهم في فهم هذا النص، لذلك أري أن الواجب على المسلمين الذين ينتسبون إلى السنة أن يكونوا أمة واحدة، وأن لا يحصل بينهم تحزب، هذا ينتمي إلى طائفة، والآخر إلى طائفة أخرى، والثالث إلى طائفة ثالثة، وهكذا، بحيث يتناحرون فيما بينهم بأسنة الألسن، ويتعادون ويتباغضون من أجل اختلاف يسوغ فيه الاجتهاد، ولا حاجة إلى أن أخص كل طائفة بعينها، ولكن العاقل يفهم ويتبين له الأمر ‏.‏
فأرى أنه يجب على أهل السنة والجماعة أن يتحدوا حتى وإن اختلفوا فيما يختلفون فيه فيما تقتضيه النصوص حسب أفهامهم فإن هذا أمر فيه سعة ولله الحمد، والمهم ائتلاف القلوب واتحاد الكلمة ولا ريب أن أعداء المسلمين يحبون من المسلمين أن يتفرقوا سواء كانوا أعداء يصرحون بالعداوة، أو أعداء يتظاهرون بالولاية للمسلمين، أو للإسلام وهم ليسوا كذلك، فالواجب أن نتميز بهذه الميزة التي هي ميزة للطائفة الناجية وهي الاتفاق على كلمة واحدة وسئل الشيخ العثيمين : عن حكم جعل مدح النبي، صلى الله عليه وسيم، تجارة؟ فأجاب : هذا محرم، ويجب أن يُعلم بأن المديح للنبي، صلى الله عليه وسلم ، ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مدحًا فيما يستحقه، صلى الله عليه وسلم ، بدون أن يصل إلى درجة الغلو فهذا لا بأس به أي لا بأس أن يمدح رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بما هو أهله من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه، صلى الله عليه وسلم.
 القسم الثاني: من مديح الرسول، صلى الله عليه وسلم ، قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي، صلى الله عليه وسلم ، وقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)). فمن مدح النبي، صلى الله عليه وسلم ، بأنه غياث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه يعلم الغيب وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فلا يجوز أن يمدح الرسول، عليه الصلاة والسلام، بما يصل إلى درجة الغلو لنهي النبي، صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك.
 ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضًا إن هذا حرام ولا يجوز، لأن مدح الرسول، عليه الصلاة والسلام، بما يستحق وبما هو أهل له، صلى الله عليه وسلم ، من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة، والهدي المستقيم ـ مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله، وما كان عبادة فإنه لا يجوز أن يتخذ وسيلة إلى الدنيا لقول الله – تعالى -: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16].
 والله الهادي إلى سواء الصراط. وأجاب الشيخ الفوزان عن حكم من يبني ضريح على قبر قال : هذا حكمه أنه يكفر بهذا العمل؛ لأن فعله هذا دعوة للكفر. إقامته للأضرحة وبناؤه لها ودعوة الناس إلى عبادتها وتنصيب السدنة لها، هذا يدل على رضاه بهذا الأمر وعلى أنه يدعو إلى الكفر ويدعو إلى الضلال والعياذ بالله وإذا كان قصده كسب المال من ورائها فإنه يبيع دينه بدنياه فهو يدخل في قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} [النحل: 107].
 و سُئل الشيخ الفوزان : عمن يعتقد أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، نورٌ من نور الله وليس ببشر، وأنه يعلم الغيب ثم هو يستغيث به، صلى الله عليه وسلم ، معتقدًا أنه يملك النفع والضرر، فهل تجوز الصلاة خلف هذا الرجل أو من كان على شاكلته؟ من اعتقد أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نور من الله وليس ببشر وأنه يعلم الغيب فهو كافر بالله ورسوله وهو من أعداء الله ورسوله وليس من أولياء الله ورسوله؛ لأن قوله هذا تكذيب لله ورسوله ومن كذب الله ورسوله فهو كافر والدليل على أن قوله هذا تكذيب لله ورسوله قوله تعالى : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] وقوله تعالى: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل: 65] وقوله تعالى : {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] وقوله تعالى : {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] وقوله، صلى الله عليه وسلم : ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني)). ومن استغاث برسول الله، صلى الله عليه وسلم ، معتقدًا أنه يملك النفع والضر فهو كافر مكذب لله تعالى مشرك به لقوله تعالى : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} [الجن: 21، 22] وقوله، صلى الله عليه وسلم ، لأقاربه لا أغني عنكم من الله شيئًا كما قال ذلك لفاطمة وصفية عمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ولا تجوز الصلاة خلف هذا الرجل ومن كان على شاكلته ولا تصح الصلاة خلفه ولا يحل أن يجعل إمامًا للمسلمين الهجوم الوهابي على المسلمين الذين يحتفلون بمولد الرسول ( ص )قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في رده على من يحتفل بمولد الرسول الأعظم ما يلي (هو يلخص النظرة الوهابية الهجومية على المسلمين ):
أما بعد:
فإن مما أحدث بعد القرون المشهود لها بالخير بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وقد تجاهل محمد مصطفى الشنقيطي ذلك؛ حيث برر البدعة في مقالته المنشورة في جريدة (الندوة) (عدد1112) الصادر في 7/4/1383 هـ بأمور: أحدها: دعوى تلقي الأمم الإسلامية هذا الاحتفال بالقبول منذ مئات السنين. الثاني: تقسيم العز بن عبد السلام البدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة. الثالث: قول عمر بن الخطاب في قضية التراويح: (نعمت البدعة).
 الرابع: قول عمر بن عبد العزيز: (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور). الخامس: دعوى الكاتب: أن في إقامة الاحتفال بالمولد صون عرض المملكة العربية السعودية عن أن تنسب إلى تنقص النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يذاع عنها تنقصه وإحراق كتب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. فلهذا وجب نقض هذه الشبه التي أتي بها هذا الشخص أولاً، وبيان حكم المولد ثانياً.
 فنقول: أما دعوى الشنقيطي: أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي- وإن كان بدعة- فقد تلقته الأمة بالقبول، فمن أقوى الأدلة على جهالته؛ لأمور: أحدها: أن الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة، والبدعة في الدين بنص الأحاديث النبوية ضلالة، فمقتضى كلام الشنقيطي: أن الأمة اجتمعت في قضية الاحتفال بالمولد على ضلالة.
 الثاني: أن الاحتجاج على تحسين البدع بهذه الدعوى ليس بشيء في أمر تركته القرون الثلاثة المقتدى بهم، كما بينه الشاطبي في "الاعتصام" نقلاً عن بعض مشايخه، ثم قال: (ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول: لو كان هذا منكراً لما فعله الناس)، ثم قال:(وما أشبه هذه المسألة بما حُكي عن أبي علي بن شاذان بسند يرفعه إلى أبي عبد الله ابن إسحاق الجعفري قال: كان عبد الله بن الحسن- يعني: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم- يكثر الجلوس إلى ربيعة، فتذاكروا يوماً، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبدالله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام أفهم الحجة على السنة ؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء).

 

التالي

السابق