إعداد مجموعة من الخبراء والباحثين                                   المراجعة اللغوية : محمود عبده



    إن التشدد الديني الوهابي المتبع في السعودية هو حقيقة. ومن غير النافع الآن أن يردد الأمراء السعوديون تصريحات صحفية في وسائل الإعلام المختلفة ويكونوا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل لكي تقنع نفسها والآخرين بأنها على ما يرام. فكثيرا ما يردد الأمراء السعوديون عبارات مؤسلمة مطاطة للتمويه مثل " الدولة دولة عقيدة " [7] أو " الإسلام ديننا ولن نغير فيه حرفاً واحدا"[8].
 فعن أي عقيدة أو إسلام يتحدث الأمراء ؟ هل قصدوا بالعقيدة أو الإسلام بحسب الرأي الوهابي أم بحسب أيضا الآراء المذهبية الأخرى في البلاد ؟ إنهم يتجاهلون في تصريحاتهم التعددية المذهبية في شبه الجزيرة العربية ويتمسكون في الوقت نفسه وإلى أقصى حد باستمرار هيمنة المؤسسة الدينية الوهابية السلفية على مقاليد السلطة الدينية وخصوصا في مكة والمدينة المنورة حتى يضمنوا استمرار الشرعية الدينية للحكم. لأن ليس كل الآراء الإسلامية المذهبية تجيز لآل سعود احتكار السلطة والثروة الوطنية واستلابها من مستحقيها الشرعيين. وشاهد ذلك ، التعيين الأخير للشيخ صالح بن محمد بن إبراهيم آل طالب إماما وخطيبا بالمسجد الحرام بمكة المكرمة.
 وهو من مواليد الرياض عام 1393هـ من أب نجدي هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد آل طالب الذي أسس مدارس تحفيظ القرآن الكريم التابعة لوزارة المعارف. وتلقى تعليمه الديني في الرياض من الابتدائية حتى الجامعة[9].
وهذا ليس سوى نموذج واحد لعدد من النماذج الأخرى التي تؤكد على أن الحكومة السعودية تسعى الآن إلى الإمساك بمنتصف العصا. فلا هي ترغب في التخلي عن الوهابيين كسلطة دينية توفر لها شرعية الحكم ولا هي ترغب كذلك في إغضاب الولايات المتحدة بعد أن طلبت منها تقليص دور السلطة الدينية.
يبدو أن الحكومة السعودية لم تتعلم الدرس بعد نظرا لاستمرارها في تثبيت الوهابيين في مواقع دينية رسمية رفيعة بدون الأخذ بالاعتبار حقوق المواطنين الدينية والمدنية في الحجاز أو في غيرها من المناطق غير النجدية. التصريحات الصحفية والعبارات المؤسلمة لا تُصلح الخلل في بعض جوانب الثقافة العقائدية الدينية السلفية الوهابية في السعودية التي نهل وينهل منها الكثير من أطفال وشباب الوطن. كذلك لا تؤثر هذه التصريحات في الركام الضخم من التراث العقائدي الوهابي المتشدد الذي شيّدته المؤسسة السعودية السياسية والدينية خلال أكثر من سبعين عاما ، وسمحت لهذا التراث بالتوسع والانتشار في داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها وبدون حسيب أو رقيب. في الواقع يجب على الأمراء السعوديين وعلى السلطة السعودية بشكل عام الاعتراف بأخطائها التاريخية عندما دعمت التوجهات الدينية الوهابية وباركت خطواتها في محاربة المواطنين الشيعة وغيرهم في البلاد وخارجها.
 كما يجب على هذه السلطة التخلي عن التراث السلفي المتطرف وان توفر الشروط التعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي تحترم حقوق الإنسان. وهذا يتطلب إصلاح سياسي حقيقي وتعليمي متمثل في تغيير ما تحتويه المناهج الدينية في المدارس من ثقافة عنف وتحريض وكراهية إلى ثقافة التآخي والتعايش المشترك بسلام بين المواطنين واحترام حقوقهم الدينية والمدنية.
 كذلك لا يجب إن تتحول الشهادتين الإسلاميتين المقدستين في عَلم الدولة إلى وسيلة لفرض القيم والقواعد الوهابية العقائدية أو إلى ديكتاتورية دينية مفروضة فرضا أو أن يكون السيف وسيلة لفرض الهيمنة السياسية على رقاب المواطنين باسم الدين الإسلامي. من الأهمية أن نلفت انتباه السلطة السعودية إلى أن مناهجها الدينية في التعليم المدرسي لم تأت من فراغ ، إنها نتيجة للعقيدة الوهابية التي تسيد تراثها المتشدد مجتمع شبه الجزيرة العربية بسيف هذه السلطة. ويبدو أنه قد أُريدَ لهذا التراث أن يكوّن ثقافة دينية وطنية إلا انه اصطدم بتراث مذهبي آخر لفئات من السكان كما في القطيف والإحساء والحجاز. وبرغم ذلك سمحت السلطة السعودية للتراث الوهابي بالتوسع والامتداد عن طريق الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي. فجميع البرامج الدينية الإذاعية والتلفزيونية والصحفية تشرف عليها المؤسسة الدينية الوهابية السعودية فقط.
 أما ما يُنشر من كتب ونشرات عقائدية فيجري بيعها وتوزيعها بسهولة وعلى نطاق واسع في البلاد. ونستشهد في هذا الخصوص بالسماح الرسمي ببيع كتب العقيدة الوهابية التي تتعرض بالتجريح والتشويه لقناعات المواطنين الشيعة في العربية السعودية وخارجها. فبينما يُسمح حاليا ببيع هذه الكتب في المكتبات السعودية بدون سلطة رقابية رسمية ، يجري منع ببيع الكتب العقائدية التي تعكس وجهة نظر الشيعة أو المعتزلة أو الصوفية في نفس هذه المكتبات.
ومن أمثلة هذه الكتب العقائدية الوهابية التي تُباع علنا في المكتبات السعودية مثل مكتبة العبيكان في الرياض والدمام ، كتاب يناقش أهواء الفرق وأهل البدع وجاء في أربعة أجزاء طبعة ثانية لمؤلفه الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل ، وصدر عام 1417هـ عن دار الوطن بالرياض. ومن نماذج ما ورد في هذه الأجزاء الأربعة من وجهة نظر وهابية معادية للشيعة وأمثالهم ، أن هؤلاء أهل بدع يحدثون ".. في الدين ما ليس منه في الاعتقاد ، والأقوال ، والأعمال.. " [10].
 ومن هذه البدع " الاحتفالات بيوم عاشوراء التي أحدثها الرافضة بعد مقتل الحسين سنة (61) وفيها كانوا يقيمون المآتم والنياحة الجاهلية كل عام إلى يومنا هذا " [11]. ومن غلو الشيعة وتعصبهم كما يعتقد هذا المؤلف أن ".. الغلو في الصالحين ضلت به طوائف كثيرة في تاريخ الإسلام ، كالرافضة والصوفية والمقابرة.. " [12]. كما وصف الشيعة أو الرافضة ".. بالكذب وقصب السلف (أي سب الصحابة وأئمة الهدى) والتقية (النفاق) والشركيات والبدع والمقابرة "[13].
ويقول عن الشيعة كذلك " وأما الشيعة فإنها فارقت الجماعة في الاعتقاد والعمل ، وترى الخروج بالسيف لكنه مشروط عندهم بخروج مهديهم الموهوم. ومع ذلك كانوا يسارعون في الإسهام في كل فتنة تضر بالمسلمين " [14]. وفي كتاب آخر صدر عن دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض عام 1419هـ – 1998م يناقش ظاهرة الغلو في الدين من حيث أسبابها ومظاهرها وعلاجها من إعداد عبود بن علي بن درع المحاضر بكلية الشريعة وأصول الدين فرع أبها وعضو وحدة البحث العلمي بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ويزعم معد هذا الكتاب في مقدمته أنه ضد العنف والتطرف والإرهاب ويحاول أن يقنع الآخرين بأن منهج السلف الصالح المتبع في السعودية لا يحمل ولا يشجع على التطرف والإرهاب والعنف. ومن هنا أراد أن ينفي تهمة الإرهاب والتطرف عن العقيدة الوهابية ليلصقها بغيرها من الفرق الضالة التي اعتبرها حركات تتبنى العنف والإرهاب والتطرف.
 وتتبنى ذلك لأنها تتصف بصفتين خطيرتين: الجهل بكتاب الله وبسنة الرسول وبمنهج السلف الصالح ، وتتّصف كذلك بالتكفير. وعلى هذا الأساس يوجه اتهامه للشيعة كإحدى الفرق الضالة بقوله: "وهاتان الصفتان متلازمتان لجميع من حمل معنى التطرف والعنف والإرهاب من الفرق الضالة عن منهج السلف الصالح في العقيدة والشريعة ، قديماً وحديثاً " [15].
 والفرق الضالة والطوائف المنحرفة كالخوارج ، والرافضة ، والقدرية ، هم بالتالي المخالفون لمنهج السلف الصالح والمتبعون لأهوائهم على حساب الشرع[16]. ويتهم الشيعة بأنهم ".. أول من فتح باب الغلو في هذه الأمة بغلوهم في علي – رضي الله عنه – والأئمة من ذريته حسب زعمهم.. " وإنهم كذلك متأثرون " بالتراث المجوسي اليهودي لدى السبئية وفرق الغلاة.. وكان هؤلاء هم المعبر الرئيسي لانتقال العقائد الباطلة إلى الصوفية "[17].
إن ادعاء عبود بن علي بن درع بأن العقيدة الوهابية ضد العنف والتطرف والإرهاب هو ادعاء زائف لأن موقفه العقائدي الوهابي إزاء الشيعة موقف متطرف بصرف النظر عن إدعائه بالاعتدال أو الوسطية. وإلا بماذا نقيّم آرائه الدينية الوهابية وهو يصف الشيعة بالكذب والانحراف العقائدي والضلال كما تبيّن. إن اضطرار المؤسسة الدينية وبعض العقائديين الوهابيين السعوديين إلى الادعاء بالاعتدال والوسطية ليس نتيجة لتطور آرائهم الفكرية وتحولهم عن نهج التشدد العقائدي الوهابي وإنما نتيجة لشعور المؤسسة السياسية السعودية بخطورة نتائج الخطاب الديني الوهابي المتطرف على الوضع الأمني الداخلي وعلى سمعة السعودية لا سيما بعد 11 سبتمبر. وبرغم ذلك تستمر الهيمنة العقائدية الوهابية على قسم كبير من شعب شبه الجزيرة العربية لأن في هذا الاستمرار تكمن رغبة المؤسسة السياسية والدينية الخفية في إبقاء سيطرتهما على مقاليد الأمور الدينية والاقتصادية والسياسية.
 ماذا في المناهج الدينية السعودية ؟ :
أخضع الوهابيون المناهج التعليمية وخصوصا الدينية منها لوصايتهم العقائدية المذهبية المتشددة. فاتخذوا مناهج التعليم وسيلة لاستئصال المذهب الشيعي من شبه الجزيرة العربية. فخضع الطلاب والطالبات لبرمجة عقائدية وهابية مستمرة عن طريق مناهج التعليم الدينية من مرحلة التعليم الابتدائي حتى مرحلة التعليم الجامعي. وعلى سبيل المثال يجد الطلاب والطالبات الشيعة بالمرحلة الثانوية أنفسهم مضطرين للإجابة على أسئلة الاختبارات التي تشكك في مذهبهم أو في خصوصيتهم الثقافية لأن مخالفتهم لما جاء به المنهج التعليمي الديني سيترتب عليه رسوبهم. ومع ذلك لا تمانع السلطة السياسية البتّة في إبقاء واستمرار هذه الوصاية التعليمية الدينية الوهابية حتى لو زعمت غير ذلك عبر الصحافة والإعلام. فهذه السلطة تقر من جهة بصحة واستقامة مناهجها التعليمية الدينية وتتغافل من جهة أخرى عن كل ما تتضمنه هذه المناهج من تشويه لقناعات المواطنين الشيعة.
كما تتغافل عن أن السلفية المذهبية الوهابية (الحنبلية السعودية) هي الجهة الوحيدة المشرفة على ما تتضمنه مناهج التعليم الدينية من موضوعات وتفسيرات بدون الالتفات لبقية الآراء الإسلامية الأخرى عند المذاهب الإسلامية في البلاد كالشيعة والمالكية والشافعية والحنفية. إنه نوع من القسر والهيمنة ليكون الجميع على رأي واحد أو مذهب واحد أو ثقافة واحدة. تزعم السلطة السياسية السعودية أنها لا تحمي التطرف الديني ، وليست مسئولة عنه. ولكن بماذا نفسر استمرار الآراء المذهبية الوهابية المتطرفة إزاء الفرق الإسلامية في منهج التوحيد في طبعتيه 2001م و 2002م الذي أُعدّ للمستوى الأول ثانوي والذي أشرف عليه التطوير التربوي بوزارة المعارف السعودية ؟ لن نبالغ إن قلنا أن ما يحتويه هذا المنهج لا يمكن أن يكون منهجا معتدلاً ووسطياً في مضمون موضوعاته العقائدية الإسلامية على أية حال. فما الذي يتضمنه هذا المنهج إذاً ومن أي صنف تلك الأفكار التي يزرعها في عقول الطلاب ؟ .
الموقف من العقل
يشدد مقرر التوحيد في طبعتيه (2001 و2002) على كراهيته للعقل. فليس في هذا المنهج أية إشارة إلى احترام العقل والإبداع وحرية الفكر. فعندما يعرف العقيدة الصحيحة ، فإنه يلزم الطلاب بالإيمان المطلق بالمنطق الوهابي السلفي لمعنى العقيدة الصحيحة الذي يحرم فيه تنشيط العقل بالسؤال والتدبر. ولا يلتفت للآراء المختلفة إلا بكونها كافرة أو منحرفة أو مشركة وكأن الوهابية أو المدرسة السعودية الدينية قد ألمّت بكل شاردة وواردة[18].
ويأتي التركيز على منهج السلف لإبراز معنى العقيدة الصحيحة موحياً ببطلان ما يُظن انه ليس على منهج السلف كما هو متصور وهابياً ليخرجوا بذلك بقية الآراء الإسلامية من إطارها الإسلامي أو على الأقل تشويهها لأنها فرق ضالة ليست على منهج السلف الصالح. وعلى هذا الأساس سمح الوهابيون لأنفسهم بالتعبير عمّا يعتقدوه الرأي الإسلامي الصحيح في الموضوعات العقائدية المختلفة. وبالتالي عندما طرحوا آرائهم العقائدية في معنى أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى على سبيل المثال ، اعتبروا آراء غيرهم من الشيعة أو أمثالهم آراء شركية وضالة. ولهذا منحوا أنفسهم أو مُنِحوا حق اختيار ما يعتقدوه صحيحا من الأقوال والأحاديث والروايات التي تؤيد وجهة نظرهم العقائدية المتشددة لكي يلقنوها لعقول الطلاب ، كقول ابن قتيبة ونصه " وعَدْلُ القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها فنؤمن بالرؤية والتجلي ، وأنه يعجب وينزل إلى السماء ، وأنه على العرش ، وبالنفس ، واليدين ، من غير أن نقول في ذلك القول بكيفية أو بحد أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت ، فنرجو أن يكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غداَ إن شاء الله تعالى "[19].
 ونص آخر " أسماء الله وصفاته هو الإيمان بها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ لأن ذلك داخل في الإيمان بالله عز وجل. (ويختارون كذلك).. ولا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها وإن لم يعلم تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفى ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم "[20].
لا شك إن مثل هذا التلقين الديني الوهابي لعقول الطلاب يشكل حجر عثرة أمام تنمية عقولهم. وان مساندة المؤسسة السياسية السعودية لوجهات النظر الدينية الوهابية في التعليم جعلتهم يفرضون رؤيتهم الدينية (المذهبية) فرضا على الطلاب بدون استثناء. وفي ظل هذا المناخ التعليمي الأحادي الطرح يغيب الرأي الإسلامي الآخر ويُغيّب معه العقل أو التفكير الحر في عقد المقارنات بين الأقوال والروايات الصادرة من جميع المذاهب الإسلامية دون تمييز. والنتيجة هي أن يجد الطالب نفسه في اتجاه واحد فقط هو الاتجاه الوهابي المعمول به في السعودية. وعلاوة على ذلك تعيّن وزارة المعارف السعودية عدداً كبيرا من معلمي المناهج الدينية في المدارس وقد أُعدّوا إعداداً أكاديمياً في كليات الشريعة في الجامعات السعودية المختلفة وأن معظمهم يقف موقفاً معادياً لبقية المواطنين الشيعة وأمثالهم. وبرغم هذا الموقف العقائدي المعادي تكلفهم وزارة المعارف بتدريس المناهج الدينية للطلاب بدون استثناء. وهؤلاء المعلمون يعتقدون بأن جزءا من رسالتهم العقائدية هو تصحيح الانحراف العقائدي بترهيب أو ترغيب الطلاب الشيعة وغيرهم ممّن يعتنق آراء مخالفة للوهابية.
 ويحرض منهج التوحيد على أن يكون معلم منهج التوحيد ذا رسالة من مهامها التوقي من أضاليل العقائد المنحرفة. ويلخص المنهج سبل التوقي من هذه العقائد في الآتي:
 1) الرجوع للكتاب والسنة كما فعل السلف الصالح و الإطلاع على عقائد الفرق المنحرفة لمعرفة شبههم للرد عليها والتحذير منها.
 2) العناية بتدريس العقيدة الصحيحة – عقيدة السلف الصالح – في مختلف المراحل الدراسية وإعطائها الحصص الكافية من المنهج.
 3) أن تقرر دراسة الكتب السلفية الصافية ، ويبتعد عن كتب الفرق المنحرفة.
 4) قيام دعاة مصلحين يجدون للناس عقيدة السلف ويردون ضلالات المنحرفين عنها[21]. إنها مقاييس ومعايير يجب إتباعها لتحديد المنهج الديني الصحيح ولاختيار المعلمين الأمينين على إبلاغ الرسالة العقائدية الصحيحة لمنع تسرب أضاليل الفرق المنحرفة مثل الشيعة والصوفية والمعتزلة وغيرهم. وواضح هنا احتكار الوهابيين للطريقة التي يجب إتباعها لتنمية عقول الطلاب. إنهم ولاشك ينمّون عقولا مغلقة ويقتلون فيها التفكير العاقل المتحرر من قيود الجمود العقائدي والمذهبي. هذا فضلا عن تأجيج الصراع الطائفي بين الطلاب السنة والشيعة.
 الموقف من الآخر المسلم
ينطلق المنهج الديني السعودي من أفضلية متميزة للسنة والجماعة لأنهم الفرقة الناجية. ومقرر التوحيد للمستوى الأول ثانوي في التعليم السعودي[22] يؤكد على هذه الأفضلية المتميزة معمّقا بذلك الفرقة بين المواطنين وبين المسلمين. فالشيعة والأباضية والمعتزلة وغيرهم فرق أو مذاهب ضالة أو كافرة أو متزندقة أو مشركة أو في أحسن الأحول مسلمة ولكنها منحرفة عن العقيدة الصحيحة. وبالتالي فإن السنة والجماعة هم منْ تنطبق عليهم مواصفات الفرقة الناجية بحسب المعايير الدينية الوهابية. وبهذا المعنى للفرقة الناجية يبشر مقرر التوحيد للمستوى الأول ثانوي بالإنسان الرفيع الدرجة (السنة والجماعة) والإنسان المتدني الدرجة (الشيعة وأمثالهم). إنها صورة بشعة لثقافة التمييز الطائفي والعنصرية النجدية القائمة على أساس ديني أيديولوجي مناطقي. إن العقيدة الوهابية وضعت لنفسها معايير خاصة للحكم على المسلمين.
 فأعطت لنفسها أو أُعطيَ لها الحق في احتكار معرفة العقيدة الصحيحة ومن ثم وضع الوهابيون كل منْ يخالفهم الرأي الديني في خندق الزندقة أو الكفر أو الانحراف أو الشرك. إنهم يعلّمون الطلاب بأن الفرق المخالفة غير أمينة على حفظ وحماية الإسلام. وعندما يتحدث الوهابيون السلفيون عن التقليد الأعمى فإنهم يشوهون كل منْ خالفهم منهجهم. يقولون في منهج التوحيد السعودي: " التقليد الأعمى بأخذ أقوال الناس في العقيدة بغير معرفة دليلها ومعرفة مدى صحتها ، كما هو الواقع من الفرق المخالفة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وصوفية وغيرهم حيث قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال فضلّوا وانحرفوا عن الاعتقاد الصحيح. ". لقد تحول المنهج المدرسي الديني في السعودية إلى وسيلة لتشويه المخالفين للآراء الوهابية وهذا يشجع على استمرار التشدد ديني في السعودية مما يعمق عدم الانسجام وعدم التسامح بين المواطنين أنفسهم وبين بعض المسلمين والبعض الآخر. وأبسط مظاهر عدم الانسجام وعدم التسامح الوهابي الموقف العقائدي المتشدد من المناسبات الشيعية كالاحتفال بمولد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الإثنى عشر (عليهم السلام).
 بل يعتقد الوهابيون أن كل مسلم يحتفل بالمولد النبوي في الجزيرة العربية أو مصر أو سوريا أو المغرب أو إندونيسيا إلى غير ذلك من بلدان إسلامية وعربية يرتكب إثما كبيرا ويبتدع بدعة وكل بدعة هي وصاحبها في النار. ومن هذه المواقف المتطرفة يتعلم الطلاب في المدارس السعودية الاتجاهات المتطرفة والعنصرية والمعادية للعقل وللمسلمين الآخرين.
 ليس هناك مبالغة إذا قلنا أن التشدد العقائدي الوهابي لا يختلف في المضمون بين الذي يرد في بعض النشرات العقائدية الرسمية أو في المنهج المدرسي الديني السعودي وبين الذي يرد في نشرات بعض السلفيين الوهابيين غير الحكوميين أو في مشاركات بعضهم في مواقع الإنترنت كالساحات العربية[25].
مما يعني أن التيار السلفي الوهابي بشكل عام ينمي ثقافة عقائدية متشددة في السعودية ويجد منْ يدافع عنه في الوسط الرسمي السعودي الأهداف سياسية سعودية. أما تردد السلطة السعودية في إحداث إصلاحات تضمن حقوق المواطنين بدون استثناء فسيكون كارثة على اللحمة الوطنية والتماسك الداخلي أمام أية هجمة قادمة محتملة. وسوف يكون هذا التردد عاملا مساعدا للولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في الشئون الداخلية للبلاد[ لكي ترتب أولوياتها في شبه الجزيرة العربية بما يخدم مصالحها الإستراتيجية في القرن الجديد.
الموقف من الآخر غير المسلم
لا يُسمح في العربية السعودية مطلقا للمسيحيين بممارسة عباداتهم علنا. ويتعرض كل منْ يتعبد بالمسيحية للعقاب والترحيل خارج البلاد. ولم يعد الموقف السعودي من عبادات المسيحيين خاف على أحد حيث هناك عشرات القضايا والمواقف الاحتجاجية لمنظمات حقوق الإنسان ضد انتهاكات حقوق المسيحيين الدينية داخل السعودية. والموقف العقائدي الوهابي السعودي المعادي للمسيحيين يبرزه المنهج الديني الدراسي للصف الأول ثانوي في تفسيره للولاء والبراء.
فكل الشعوب التي لا تتفق مع العقيدة الوهابية هي إما كافرة أو مشركة أو مشكوك في دينها ، وبالتالي لا يجب التعاطف معها أو التعامل معها بإنسانية. لذلك تجب البراءة منهم وعدم مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم. فالناشئة من الطلاب يتغذون من هذا النبع التعليمي الذي يصيغ معنى الولاء والبراء وفقاً لوجهة النظر العقائدية الوهابية المتشدد ضاربة بعرض الحائط بقيم التسامح والتآخي الإسلامية بين الشعوب الإسلامية والشعوب المسالمة غير الإسلامية. ومن وجهة النظر هذه يحرض الوهابيون على عدم مشاركة المسيحيين في أعيادهم كعيد المسيح عليه السلام. ويؤكدون على أن " من أعظم مقتضيات بغض الكافرين ومعاداتهم هجر شعائرهم وطقوسهم، وأعظم شعائرهم أعيادهم المكانية والزمانية، فيجب على المسلمين هجرها والابتعاد عنها.. فلا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله أو في مكان يتخذه الكفار عيداً لهم يجتمعون فيه (وهو من أعيادهم المكانية) ، لأن هذا فيه مشاركة لهم وإعانة لهم في تعظيم شعائرهم وتشبهاً بهم ؛ لأنه وسيلة إلى الشرك. ومنه أيضاً مشاركتهم في أعيادهم الزمانية، كعيد النيروز ، وعيد الميلاد؛ لأن فيها ولاء لهم ومشاركة لهم في إحياء شعائرهم وتشبه بهم. وإظهار الفرح في عيدهم وتعطيل الأعمال وطبخ الأطعمة بهذه المناسبة وغيره. وكذلك استعمال التاريخ الميلادي؛ لأنه إحياء لذكرى عيد الميلاد عندهم " [27].
ويذهب الوهابيون أبعد من ذلك عندما يحرمون التعاطف الوجداني مع الشعوب الأخرى في أفراحهم وأحزانهم. فالتعاطف مع غير المسلمين كالمسيحيين من الأمور غير المباحة التي تؤدي للكفر، والنص الآتي يقول: " أما مشاركتهم في أفراحهم و أتراحهم بالأمور المباحة، وتعزيتهم في المصائب، فالصواب أنها لا تجوز تهنئتهم ولا تعزيتهم كما جزم به كثير من العلماء ، وعللوا ذلك بأنه تحصل الموالاة لهم وتثبت المحبة بسبب ذلك، ولما فيه تعظيمهم، فيحرم لهذه المحاذير، كما تحرم بداءتهم بالسلام والتوسع لهم في الطريق "]. وهذه دعوة علنية لمعاداة الشعوب سواء كانت شعوب إسلامية أم غير إسلامية.
ماذا بعد 11 من سبتمبر؟
من الواضح أن السلطة السعودية لا تزال مترددة في إحداث تغيير جوهري في بعض جوانب ثقافتها الدينية الوهابية وفي مناهجها التعليمية الدينية. وأثناء زيارة الأمير نايف وزير الداخلية لمنسوبي الهيئة في مقرهم في الرياض أكد على " دعم الدولة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضحا أن ذلك نهج المملكة منذ عهد جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله "]. وهذا يشير إلى أن السلطة السعودية لا زالت لا تريد إغضاب المؤسسة الدينية الرسمية برغم الضغوط الأمريكية نظرا لدورها الأمني والسياسي المستمر حتى الآن.
 كذلك يشير موقف هذه السلطة إلى دعمها للخطاب الديني الوهابي معتبرا إياه جزءا لا يتجزأ من الحياة الدينية السعودية ومتجاهلاً التعدد المذهبي والأيديولوجي في البلاد. ولذلك يرفض الأمير نايف وجود تيارات دينية وليبرالية وغيرها. يقول الأمير " التيارات.. مرفوضة وبالنسبة للدولة فهي دولة عقيدة ودولة دين وليست لشخص معين وليس مقبولا أن يزايد احد في هذا الأمر.. ولا نقبل أن يأتينا أحد بأفكار دخيلة على الإسلام ويحاول أن ينشرها هنا أو تعطي الإسلام وجها لا يليق بالإسلام والدين.. " لم تعد المؤسسة الدينية مقبولة لدى كثير من المواطنين لاسيما الهيئة لكثرة ما تمارسه من انتهاكات لحقوق وخصوصيات المواطنين الشخصية.
 أما الأمير نايف فصب عبارات المدح على رجال الهيئة ودافع عنهم مؤكدا على أن " كل المسئولين في الهيئة دائما تواقون إلى تنظيم الأمور بالشكل الذي يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما أمر به التشريع الإسلامي وورد في كتاب الله وفي سنة نبيه وما كان السلف الصالح.. " وحول تصرفات رجال الهيئة قال " هذا على كل حال من مسؤولية الهيئة على الحق والصواب ، وقد يحدث شيء فيبالغ فيه فرجال الهيئة بشر قد يقع منهم خطأ ولكن لا نحمل الأمور إلا على المحمل الحسن ، وإذا وقع خطأ من واحد فلا يعمم على الجميع.. بالنسبة للعقيدة واضحة وهي الحامية وهي التي تعلم هذا الشيء ممثلة في المناهج الدراسية وهيئة الإرشاد وهيئة الأمر بالمعروف وأئمة المساجد ولسنا محتاجين لأحد، وهناك التيارات الدنيوية الأخرى مرفوضة كل الرفض.." والأمير في لقائه مع منسوبي الهيئة أكد مساندته للمؤسسة الدينية طالما استمرت تؤدي دور الضامن لاستمرار الشرعية الدينية للحكم السعودي الذي يفتقد للشرعية الدستورية والشعبية.
 ودافع باستماتة خلال تصريحاته الصحفية لجريدة السياسة الكويتية عن الهيئة (الشرطة الدينية) وعزى مشكلات السعودية من تطرف وتشدد ديني إلى جماعات من خارج البلاد التي كانت تمد الجماعات السعودية الدينية بالأفكار المتطرفة. فزعم الأمير أن مراجع المعتدين على الحرم الذي قادهم جهيمان العتيبي من الكويت من خلال الكتب الصادرة عن دار الطليعة. وهاجم الأمير بشدة الأخوان المسلمين ورموزهم واتهمهم بأنهم أصل البلاء وأنهم أساءوا للسعودية[33].
 وتفسر جهات داخلية معارضة تصريحات الأمير نايف مؤخرا لجريدة السياسة الكويتية بأنها تصب في خانة المساندة الرسمية السعودية لمؤسستها الدينية ولموقفها المعلن من مناهج التعليم الديني الذي يعتقد الأمير أنها خالية تماماً من أي تطرف أو تشدد[34]. وجاء توقيت هذه التصريحات في الوقت الضائع.
 فهو لم يصرح بمثل هذه الآراء المتشدد ضد الأخوان المسلمين من قبل لأسباب سياسية ، واختار التصريح بها الآن لنفس لأسباب سياسة متعلقة بحماية المؤسسة الدينية التي يعتد عليها الحكم السعودي في بقاء شرعيته الدينية.
 ويعتقد معارضين آخرين في الداخل بأن تصريحات الأمير نضعها ضمن محاولات الأمير المستمرة لردم عيوب النهج المذهبي الوهابي السعودي المتطرف الذي افرزه النهج السياسي للحكم السعودي المتبع في التعليم والدعوة والإرشاد من خلال السماح للمؤسسة الدينية بالتدخل بالطريقة التي يحلو لها بدون رقابة وبحرية واسعة. وإن إلقاء اللوم على الآخرين في الخارج لا يعدو أن يكون محاولة من الأمير لتخفيف الانتقادات عن المؤسسة الدينية السعودية واعتبار الجماعات الدينية السعودية المتشدد أو المتطرفة ضحايا التغرير بهم وتضليلهم من قِبل الآخرين وليس نتيجة لتطرف الأفكار الوهابية السعودية التي لم تلقَ اعتراضاً سعوديا رسميا فعاثت في أرض الوطن فسادا تغذي عقول الطلاب والشباب بالتطرف والتشدد المذهبي الذي يأخذ طابعا إسلاميا هو بالضد من كل منْ يخالف هذه الأفكار الرأي والأيديولوجيا سواء في داخل الوطن أم في خارجه.

 

التالي

السابق