|
إن هذه الفتوى تطلق الفتنة من عقالها ، وتشكل خطرا حقا على التعايش السلمي بين أبناء الأمة الواحدة وذلك بشقّ الصف الواحد وتقسيم الأمة إلى سنة وشيعة ؛ خاصت إذا كانت صادرة ممن يثق الناس بهم وبمكانتهم ، وأنهم من بلاد الحرمين الشريفين مهبطالوحي السماوي ومنبع الرسالة الخاتمة .
وخطورة هذه الفتوى تكمن في أن من لايجوز نصرته او الوقوف بجانبه أوالدعاء له لايكون ذلك إلا لأنه غير مسلم .
وهذا لاينطبق بأي حال من الأحوال على من يشهد ألا إلــه إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة .... مهما إختلفنا معهم في فهم بعض نصوص الإسلام ؛ ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): ( ... فمن قال : لا إلــه إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ،وحسابه على الله ) (15)
ومن ثم فإن مثل هذه فتوى ينقصها التعمق في الفقه الشرعي والفقه السياسي والفقه الحربي ، فلا يجز في وقت الشدة والمحن ووقت الوقوف في وجه العدو أن نفرق بين الناس .
وللعلماء في هذه الأحاديث السابق ذكرها والتي تحذر من التكفير أقوالا :
أحدها : أنه محموا على المستحل لذلك أي للذنب وهذا يكفر ، فعلى هذا معنى باء بها أي بكلمة الكفر ، وكذا حار عليه وهو معنى رجعت عليه أي رجع عليه الكفر ، فباء وحار ورجع بمعنى واحد .
والوجه الثاني : معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره .
والوجه الثالث : أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين ، وهذا الوجه نقله القاضي عياض رحمة الله عن الإمام مالك بن أنس وهو ضعيف ، لأن المدهب الصحيح المختار الدي قاله الاكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع .
والوجه الرابع : معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر , وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر , ويخاف علي المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر .
ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لبي عوانة الاسفريني في كتابه المخرج علي صحيح مسلم , فأن كان كما قال والا فقد باء بالكفر .
وفي رواية : إذا قال لاخيه يا كافر وجب الكفر علي احدهما .
والوجه الخامس : معناه فقد رجع عليه تكفيره , فليس الراجع حقيقة الكفر , بل التكفير لكونه جعل اخاه المؤمن كافرأ فكأنه كفر بنفسه , أما لانه كفر من هو مثله , واما لانه كفر من لايكفره الا كافر يعتقد بطلان دين الاسلام .
واما قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " فالجنة عليه حرام " ففيه تأويلان :
أحدهما : أنه محمول علي من فعله مستحلا له :
والتاني : أن جزاءه انها محرمة أولا عند ذخول الفائزين وأهل السلامة، ثم انه قد يجازى فيمنعها عند ذخولهم ثم يدخلها بعد ذلك، وقد لايجازى بل يعفو الله سبحانه وتعالى عنه .
ويقال : رغب عن أبيه أي ترك الإتتساب إليه وجحده ، يقال : رغبت عن الشيء تركته وكرهته ، ورغبت فيه اخترته وطلبته .
التحذير من أسباب الكفر
عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): " سباب المسلم فسوق ،وقتاله كفر "والسب في اللغة : الشتم والتكلم في عرض الانسان بما يعيبه . والفسق في اللغة :الخروج ، والمراد به في الشرع : الخروج عن الطاعة .
وأما معنى الحديث فيبين أن سب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة ، وفاعله فاسق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة الا اذا استحله ، فاذا تقرر فقيل في التأويل الحديث اقوال .
أحدها : أنه في المستحل .
والثاني : أن المراد كفر الإحسان والنعمة واخوة الإسلام لا كفر الجحود .
والثالث : أنه يؤول الى الكفر بشؤمه .
والرابع : أنه كفعل الكفار والله أعلم .
ثم ان الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة .
فاذا وقع التقاتل بين افراد الامة فان ذلك مظهر من مظاهر الكفر التي تؤدي بها وتعجل بفنائها.
فعن علي بن مدرك ، سمع أبا زرعة يحدث عن جده جرير قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (16): " استنصت الناس"(17)ثم قال : "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ."
وفي قوله (صلى الله عليه وسلم ) : (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) سبعة أقوال .
أحدها : أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق والثاني : المراد كفر النعمة وحق الاسلام .
والثالث : انه يقرب من الكفر ويؤدي إليه .
والرابع : المرد حقيقة الكفر ومعناه لاتكفيرا بل دوموا مسليمين .
والسادس : حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرين بالسلاح , يقال : تكفر الرجل بسلاحه ادا لبسه . قال الازهري في كتابه تهديب اللغة : يقال للبس السلاح كافر .
والسبع : قاله الخطابي معناه لايكفر بعظكم بعظآ فتستحلو قتال بعظكم بعظا .
واظهر القوال الرابع وهو اختيار القاضي عياض رحمه الله .
والقول السابع الدي قاله الخطابي : لايكفر بعظكم بعظآ فتستحلو قتال بعظكم بعظآ ربما يدعون إلى التريث في الفتوي في متل هده الامور التي يترتب عليها وقوع القتال بن ابناء الامة الواحدة .
اطلاق اسم الكفر علي الطعن في النسب والنياحة
عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "" اثنتان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة علي الميت . "
وفيه اقوال اصحها أن معناه هما من اعمال الكفار واخلاق الجاهلية .
والتاني : انه يؤدي إلى الكفر .
والثالث : انه كفر النعمة والاحسان .
والرابع : ان ذلك في المستحل .
وفي هذا الحديث تغليط تحريم الطعن في النسب والنياحة , وقد جاء في كل واحد منهما نصوص معروفة , والله اعلم .
قال العلماء : لينبغي لاحد من اهل الاسلام ان يشهد علي رجل من أهل الاسلام بدنب (18) ادنبه بكفر , وان عظم جرمه (19) وهو قول ابي حنيفة والعامة من فقهائنا .
|
|
15 أخرجه مسلم في الإيمان ، باب : الأمر بقتال الناس حتى يقولو لا إله إلا الله ، رقم :21.
وعلمهم في خطبته فيها أمر دينهم , واوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها , فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " ليبلغ الشاهد منكم الغائب "
17 ـ وقوله (صلى الله عليه وسلم ) : ( استنصطا الناس ) معناه مرهم بالانصات ليسمعوا هده الامور المهمة والقواعد التي
ساقررها لكم واحملكموها .
18 ـ بدنب ادنبه , أي ارتكبه , وان كان كبيرة أو أكبر الكبائر أو كان دنب عقيدة ما لم يبلغ إلى حد الكفر , فأن انجر سوء اعتقاده إلى الكفر جاز تكفيره . ومن ثم تقل عن السلف ـ منهم امامنا أبو حنيفة ـ أنا لانكفر أحدآ من اهل القبلة , وعليه بني ائمة الكلام عدم تكفير الروافض والخوارج والمعتزلة والمجسمة وغيرها من فرق كفر ونحو ذلك فهو من تخريجاتهم مخالفآ لسلفهم فأن لم يكن مؤولأ فهو مردود .
19 ـ بالضم أي كبر دنبه .
• باحث إسلامي مركز يافاللدراسات والأبحاث |