|
أولاً : حول الفتاوي الجاهلة :
عندما اتضح , انتصار المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله , في مواجهة آلة الحرب الإسرائلية في عدوانها علي لبنان والذي قارب الشهر (بدأ العدوان يوم 13 \ 7 \2006) , وعندما ادركت إسرائيل وبخاصة جنرالات جيشها وقادتها المتنفذين , أن كسر إرادة هذه المقاومة صعب , بل مستحيل , وأن مجرد استمرارها في الصمود طيلة هذه الفترة أمام أكبر قوة عسكرية نووية في المنطقة , كان لها سابق تجربة في هزيمة جيوش ثلاث دول عربية في أيام , ولها سمعة ترعب القادة وهم في حجرات نومهم , هذا الصمود في داته بغض النظر عن أنجازاته علي الأرض (وهي كثيرة بالمناسبة) يعد بالمعايير الأستراتيجية الموضوعية انتصاراً .
• عندما أدركت أسرائيل ذلك , ومعها الولايات المتحدة , ومن خلفهما الدول التابعة , والقادة التأمركون , في أمتنا , بدأوا ينقلون الصراع إلى جبهة أخري , ففي موازاة مع الحرب العسكرية الخاسرة , أطلقو , من خلال أشياعهم من وعاظ وعلماء السلاطين حرباً دينية أخري , أسميناها هنا بـــ (حرب الفتاوي والمقدسات) , وهي صنف من الحروب , سبق للأستعمار الغربي مند قدم إلى بلادنا العربية قبل أكثر من مائتي عام , ان استخدمها لتفرقة المسلمين , بل لتفرقة أبناء البلد الواحد , وكانت نظريته الأشهر هي (فرق تسد) , أي فرق أبناء الأمة أو الوطن , إلى فرق ونحل وطوائف متنازعة ساعتها ستسود وستتمكن من الهيمنة علي تلك الأمة أو ذلك الوطن , ونجح بالفعل الأستعمار الغربي قديماً في بعض أجزاء عالمنا الإسلامي , لكنه فشل في أن يستمر في سياسته , وعندما نضجت قيادات العمل النضالي وأدركت عقم الفرقة فيما بين طوائفها أو أحزابها , توحدت والتحمت مجدداً , فأحرزت الأنتصار والأستقلال .
اليوم يعود الأحتلال الصهيوني وبغطاء أمريكي وتحت دات العباءة ليطرح الفرقة , ولكن متخفيآ خلف شيوخ وعلماء جهلة (إن أحسنا الظن بهم) , أو يعملون كوكلاء لهذا الغرب هم وحكوماتهم , فينفيدون مؤامرة خبيثة لضرب الوحدة الإسلامية من خلال تشويه نضال أحد أبرز فصائلها اليوم وهو المقاومة اللبنانية الباسلة ؟ .
(1)
* في دروة العدوان الصهيوني علي لبنان أفتي أحد شيوخ النفط , بأن نصرة حزب الله في حربه المقدسة ضد العدو الصهيوني , حرأم , وأنه لايجوز الدعاء له , ووفقاً للنص فتواه , فأن هذا الحزب , حزب رافضي , خارج عن ملة الإسلام , ومن تم لايجوز نصرته أو مساندته في حربه ضد العدو الصهيوني , وحتي لانكون متجنين على الرجل فلننقل نص فتواه وجاء به :
"س : بدأ في الأونة الأخيرة ظهور بعض المنادين بنصرة حزب الله اللبناني . هذا الحزب رافضي موال لأيران ؟ وسؤالنا : هل يجوز نصرة حزب الله الرافضي ؟ وهل يجوز الأنضواء تحت أمرتهم ؟ وهل يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين ؟ وما نصيحتكم للمخدوعين بهم من أهل السنة ؟
الأجابة : لايجوز نصرة هذا الحزب الرافضي ولأيجوز الأنضواء تحت أمرتهم ولأيجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين ونصيحتنا لأهل السنة أن يتبرءوا منهم وأن يخدلو من ينضمون إليهم وأن يبينو عداوتهم للأسلأم والمسليمين وضررهم قديمآ وحديثاً علي أهل السنة , فأن الرافضة دائماً يضمرون العداء لأهل السنة ويحاولون بقدر الأستطاعة اظهار عيوب أهل السنة والطعن فيهم والمكر بهم , وإذا كان كذلك فأن كل من والأهم دخل في حكمهم لقول الله تعالي (ومن يتولهم منكم فأنه منهم) .
ومن فضل الله أن العلماء الثقات , وشيوخ الأزهر الشرفاء , هبوا رافضين تلك الفتاوي التكفيرية , مؤكدين أن حزب الله , حزب إسلامي , مجاهد يدافع عن قضية اسلأمية عادلة , ضد عدو للأسلام وللأمة , وأن تلك الفتاوي تتم عن جهل بالفقه والدين , ولأتخدم سوي العدو الأسرائيلي داته الدي أسرع بنشرها علي مواقع صحافته , وفي كافة أنحاء عالمنا الأسلأمي حتي يزيد من البلبلة وسط جموع المسلمين والعرب .
تحرك العلماء , وتحرك الأعلاميون , ورفضوز دعوة الشيخ الفطي وكل هذا جيد ورائع , ولكن الأمر في تقديرنا يحتاج إلى مقاربة أكبر من مجرد الرد علي هده النوعية من المتطرفة من فقهاء السلفية الجديدة في بلأدنا , فمثل هولاء لأيصدرون عن رؤية متفردة , إذ أن خلفهم تقف مؤسسة دينية متخلفة وجاهلة , بل دول كاملة بسياسييها وبنفطها وأعلأميها , بل أنهم يقفون ومن خلفهم صحافة عربية مدجنة واعلأم أمتلأ فمه (بالنفط) فخرس , ولم ينطق لأن أرباب النعم لأيريدونه إلا أخرس ".
ونزيد فنقول أن صاحب هده الفتوي , وأمتاله من شيوخ السلأطين , شيوخ أمريكا وأسرائيل , يستمدون قوتهم وتاثيرهم من كون (الأماكن الأسلامية المقدسة) تقع ضمن السيادة الجغرافية لبلادهم وهنا أساس المشكلة , وخطورتها , والذي كان يستلزم ممن يتصدي للفتاوي , أن يكون واعياً ومدركاً لخطورة ما يصدر عنه ليس فحسب من فتاوي , بل حتي من مجرد رأي في أية قضية تمس شئون المسلمين : سياسية كانت أو دينية , فمنزلة الحرمين كبيرة ومن يدعي سيادة عليهما لابد أن يكون كبيراً مثلهما وأن يكون علي نفس درجة قداستهما وأهليتهما هذا في تقديرنا هو الجانب الأهم في تلك الضجة التي أتيرت حول الفتوي , ولكنه للأسف لم يتم تناوله بشكل صريح وقاطع لأسباب معلومة , أما باقي الجوانب فيأتي تالأ لها .
(2)
• وإذا مافهمنا الأمر علي هذا الأساس , يمكننا أن نعيد قراءة المشهد , ونتابع تداعياته علي مستوي (حرب الفتاوي) كامتداد للحرب العسكرية وفقآ للمحاور التالية :
أولاً : من المؤكد أن الحرب الأسرائلية العدوانية علي لبنان , والتي لأتزال رحاها دائرة حتي لحظة كتابة هده السطور , فقد فرزة الأمة إلى معسكرين أو إلى خندقين , خندق ( من مع الأمة ومصالحها ودينها ) و ( من ضد الأمة ومصالحها ودينها ) , فادا كان القرأن الكريم قد قال في محكم أياته توكيداً وجزماً ( لتجند أشد الناس عداوة للدين أمنو اليهود والدين أشركوا ) ( الأية 83 المائدة ) , فأن اليهود المعاصرين الدين أغتصب فريقآ منهم أرضآ اسلأمية , ودنسو أولي القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في فلسطين , هولاء اليهود الصهاينة , قطعاً هم ( أشد الناس عداوة ) لأمة الأسلام , و " من يتولهم منكم فأنه منهم " , والحرب الأخيرة ( وهي الحرب السادسة في تاريخ الصراع العربي / الأسرائيلي ) , أتت بأحداتها ومجازرها الجسام ( قانا نمودجاً ) لتحسم الأمر أمام الأمة ولتفرز وبشكل قاطع ونهائي , الخنادق , ( خندق أبناء الأمة ) , في هذا الأطار يأتي متل تلك الفتاوي وأصحابها والواقفين خلفها من ساسة وملوك , وتابعين لواشنطن وتل أبيب , ليمثلو الخندق المعادي للأمة , ولدينها , ولمصالحها , مهما تزينوا بعمائم أو تغطو بسياسات وتصريحات تدعي حبى للبنان وشعبه أو قدموا بعض الدعم المالي لهذا الشعب وهي تطعنه في ظهره بهكدأ فتاوي ، هؤلاء الدين قال ( كبيرهم السياسي ) في اليوم الأول للحرب أن هده مغامرة غير محسوبة ومقاومة غير مشروعة قاصدآ عملية أسر حزب الله للجنود الصهاينة , فقامت الة الأعلام النفطي بترديد مقولاته الخائبة تلك وبالحاح مشبوه في الأيام الأولي للحرب , ولما تكشف له ولهم أن ذلك قد أتي بنتيجة عكسية لدي الأمة أجمالاً , وكيف انها ازدادت التحامآ وتوحدآ خلف حزب الله صاحب المغامرة غير المحسوبة , وفقاً لتصريحات تلك الدولة صديقة واشنطن , قامو بتحريك (آلة الفتاوي والدين) وهي الة جاهزة في خدمة السلطان , وليست لوجه الله تعالي , فاصدرت الة الفتوي السابقة التي تقول أن حزب الله حزب كافر , رافضي لأتجوز نصرته وتحرم مساندته , والأتنتان : الدولة ودار الفتوي – في تقديرنا – يصابان بمواقفهما وفتاويهما في غير المصالح القومية للأمة , ولدينها الداعي للتوحيد , هكدا ينبغي أن نحسم الأمر , ولأنتردد في قوله علي الملأ حتي لأيتبلبل شباب الأمة فيما يرونه ويقرأونه , أن من يواجه أسرائيل بالشهادة والدم , لأيستقيم أخلأقيآ أو دينيآ أو سياسيأ أن يطعن فيه القاعدون عن الجهاد أو الجهلأء بالدين , وأن من يقاوم في فلسطين ولبنان هو وحده في تقديرنا وفي هذا الزمان الموبوء – المعبر عن الأسلام الحق وعن مصالح الأمة مهما تقياً البعض من (القاعدين) من فتاوي أو آراء أو مواقف معلوم جيدأ أن محركها هناك في واشنطن لأهنا في عواصمنا ؛؛
ثانياً: في ظل فتاوي- التكفير التي كان – ولأيزال – نفر من تيارات الأسلام السياسي السلفي في بلأدنا العربية والأسلامية يتعنقها , تستبين أمام المراقب , حقيقة مزعجة , وهي أن هذه التيارات في أغلبها تضم نخبة من الجهلة بأصول الدين والفقه من ناحية والجهلة بمجريات الأحدات السياسية والأقليمية والعالمية من ناحية أخري , وعندما يلتقي الخهلان , الجهل بالدين والجهل بالواقع المعاش , فأن مايتريب على هذا اللقاء مدمر , وعنيف , ولنتأمل مسار هذا ( الدمار) – علي سبيل المثال لا الحصر – في بلد مثل مصر منذ ظهور شكري أحمد مصطفي (أمير جماعة التكفير والهجرة في مصر) عام 1977 , وما تناسل من حركته وأفكاره من تاثيرات علي النسيج السياسي والاجتماعي والعقدي للبلاد حتي يومنا هذا , وكيف أثر هذا الجهل المزدوج علي صورة الاسلام ذاته , وقدمه كدين ارهابي بامتياز وسهل لدي الاعداء خارج البلاد ترويج تلك الصورة غير صحيحة عن الاسلام , باعتباره دينا يكفر ابناءه , هذا الجهل المزدوج قد يسهل الرد عليه وحضه في بلاد مثل مصر , ولكن الامر يصبح أصعب وأعقد ويزداد خطورة حين يكون الداعي له منتميآ للبلاد التي أنطلق منها الاسلام , بلاد يمسك أصحاب الفتاوي فيها بمفاتيح الاماكن المقدسة , حين ينتقل التكفير كمنهج وأسلوب حياة إلى من يناط بهم أن يكونوا قدوة للمسلمين في التسامح والاستيعاب وأتاحة حرية المعتقد , هنا تاتي الطامة الكبري كما يقولون , وهنا يستوجب الامر السعي الحثيث من علماء الاسلام وعقلاء الامة كي ينزع من أيدي هؤلاء الجهلة , المتسترين بالدين – وهو منهم براء – سلاح خطير , يعد أشد فتكآ من أسلحة الدمار الشامل علي عقول وقلوب المسلمين ادا ما أستخدم خطأ , إلا وهو سلاح الاحتماء بالمقدسات والاشراف عليها والتحدث باسمها , اذ يمكن الخطر هنا .
(3)
* ان الاسلام لايعرف الكهنوت , ولا يعرف الاحتكار طبقة أو جماعة بعينها التحدث باسمه لان ذلك يؤدي إلى (حالة مغلقة) من العمل العبادي والدعوي, تؤدي تدريجيآ إلى تراجع الدور الرسالي للاسلام , ويصبح صدور الفتاوي الذينية أمراً سهلاً لذي هؤلاء رغم أن شروط الافتاء وضوابطه الشرعية قاطعة وحازمة ولاتسمح لاي أحد بأن يفتي لمجرد انه ينتمي لبلد الحرمين الشريفين ؛ وأن هذا يسيء في المصلحة الأخيرة لهذه الاماكن المقدسة لأنها ـ وبأصل ـ أماكن ورموز توحيد وتسامح , لا رموز تكفير وتفريق .
يطرح سؤال رئيسي في هذه الاجواء الملتهبة : ما العمل , اذا كان ( الجهلة ) بالدين والواقع يتصدرون المشهد , و( العملاء ) يقفون إلى جوارهم يفركون الأيدي في غبطة و ( الأعداء ) علي مسافة أمتار يمطرونهم بالقبلات تحية وتقديراً لجهلهم المركب ؛ ما العمل ؟ هل يكفي أن ندعو إلى نزع سلاح الفتوي من ايديهم حتي تخيب طلقاتهم وتفرغ من مضمونها المقدس ؟ أم نكتفي بالادانة الواسعة , والحصار الواسع لهم وللانظمة السياسية التي تركبهم وتوظفهم ؟ في تقديرنا أن الاجابة المباشرة , والبسيطة هنا تتمثل في ربط السؤلين معاً , وفي استمرار الكشف عن أبعاد التوظيف الاحمق للمقدسات والفتاوي , لخدمة كيانات ودول غير مؤهلة ( شرعاً وسياسة ) لكي تشرف عليها ؛ لأنه وببساطة , لايمكن أ، يلتقي الليل والنهار , لايمكن أن، تلتقي التبعية لواشنطن والركوع امامها والاشتغال كخدم في استراتيجية شرق أوسطها الجديد , مع حماية دين ابراهيم ومحمد ورسل الله كافة ! لا يستقيم أن يلتقي ( الحلال ) و ( الحرام ) في قالب واحد ! لايستقيم عقلاً ولا شرعاً أن يدافع عن مكة , أو القدس أو أي من مقدساتنا الاسلامية ( قيماً وأماكن ) , من يسجد للبيت الأبيض ؛ حتي لو ألقي عدة ملايين من الدولارات ـ تماماً كقنابل الدخان ـ مساعدة للنازحين وللمهجرين في لبنان وفلسطين .
* هنا أصل الداء , فاذا اردنا ألا يعود " الشيخ " إلى فتواه , وإلا يتقياً هؤلاء الجهلة كل يوم فتوي , تكفر المسلمين وتحرم عليهم كل شيء تقريبا, وتحول دون نصرة المجاهدين , فلنبدأ من البداية الصحيحة والوحيدة , والفعالة : إلا وهي أن ننزع سلاح "الأفتاء" وسلاح "الأحتماء بالمقدسات" من بين أيديهم ونعيده إلى الأمة , فهد هو الأسلوب الرادع لهم ولسادتهم , وتلك الرموز والقيم الأسلامية , ومن يصدر عنها من فتأوي وما يتصل بها من شئون , ينبغي أن تعود الينا , إلى هذه الأمة , التي أبتليت بعلمائها قبل سلاطينها. |